الدكتور سايد حرقص

تصريحات توم براك: تهويل إعلامي أم ضوء أخضر لإسرائيل لضرب لبنان؟

4 دقائق للقراءة

تُمثّل تصريحات المبعوث الأميركي توم براك لـ"سكاي نيوز عربية" محطة بالغة الحساسية في سياق التوتر المتصاعد حول لبنان ودوره في المعادلة الإقليمية. فبراك لم يكتفِ بوصف "حزب الله" بأنه "عدو للولايات المتحدة "، بل ذهب أبعد حين وضع إيران نفسها في خانة "العدو المباشر"، داعيًا إلى "قطع رؤوس الأفاعي" ووقف مصادر تمويلها. هذه العبارات الحادة لا يمكن النظر إليها كجمل عابرة، بل كجزء من خطاب تصعيدي موجّه إلى الدولة اللبنانية بقدر ما هو موجّه إلى حزب الله وإيران.



في قراءته للمشهد، وضع براك الدولة اللبنانية أمام مسؤوليات كبرى، معتبرًا أن على السلطة أن تُعلن بوضوح التزامها بنزع سلاح حزب الله ووقف تمويله، لا الاكتفاء بتصريحات إعلامية لا تقدم ولا تؤخر في مسار الأحداث . وأكد براك إلى أن الحزب يتلقى من إيران ما يصل إلى 60 مليون دولار شهريًا، ما يعزز من قوته داخل لبنان ويُعقّد أي محاولة لفرض سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. هذا الطرح يكشف إصرار واشنطن على اعتبار أن أي تراخٍ داخلي لبناني سيُترجم خارجيًا بمزيد من الضغوط وربما العقوبات.



ورغم إشادته بالمؤسسة العسكرية اللبنانية واعتبارها "منظمة جيدة"، أصرّ براك على أن الجيش "غير مجهز بما يكفي"، في إشارة ضمنية إلى أن أي رهان على قدرة الجيش وحده في مواجهة حزب الله يبقى رهانًا خاسرًا. لكن المفارقة الغريبة أن براك، بالرغم من تشخيصه لجوهر المشكلة لدى الجيش، الا أنه لم يعلن أن لدى الولايات المتحدة برنامجًا فعليًا لسد هذا الخلل. هذا التناقض يعزز الانطباع بأن واشنطن لن تساهم في دعم الجيش بشكل جدي قبل أقدام السلطات السياسية على خطوات جدية في عملية نزع سلاح حزب الله بالقوة أو أن هناك قطبة مخفية تخفي مخططا إسرائيليا لتغيير أسس اللعبة بالقوة وفرض واقع جديد.



المفارقة الكبرى تكمن في أن براك، وبالرغم من النبرة التحذيرية القاسية، نفى أي استعداد أمريكي للتدخل العسكري المباشر ضد حزب الله، مؤكدًا أن لا القوات الأمريكية ولا القيادة المركزية ستخوض هذا الصراع. هذا الموقف المزدوج يُثير علامات استفهام جدّية: هل واشنطن تُرسل إشارات ضغط لفظية فقط، أم أنها تفتح الباب أمام إسرائيل لتتحرك منفردة، بحجّة غياب جدية الدولة اللبنانية في تطبيق مندرجات القرار 1701 ونزع سلاح الحزب؟



صحيح أن كلام براك قد يمنح حزب الله عذرًا إضافيًا لعدم تسليم سلاحه، لكن خطورة التصريحات تتضاعف إذا ربطناها بما نقلته قناتا "العربية" و"الحدث" عن مصادر أمنية إسرائيلية رفيعة، والتي قالت إن "حزب الله يحاول إعادة ترميم نفسه" وأن العام المقبل قد يكون "عامًا حاسمًا". كما أشارت تلك المصادر إلى أن إسرائيل لن تسمح باستمرار الحالة "الرمادية" القائمة في لبنان بين سلطة الدولة وسُلطة الحزب، ملمِّحةً إلى أن خيار العملية البرية داخل لبنان ما يزال مطروحًا إذا استدعت الضرورة. هذه المعطيات تضع الجميع ، ومن بينهم حزب الله، أمام مسؤولية وطنية وتاريخية لا يمكن التهرب منها.



في ضوء هذه المعطيات، يمكن فهم خطاب براك كرسالة مزدوجة:



- إلى الدولة اللبنانية: تحمّلوا مسؤولياتكم وابدأوا خطوات فعلية في ملف السلاح، وإلا ستُفرض عليكم الحلول بالقوة.



- إلى إيران وحزب الله: صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد، لكن التنفيذ العملي متروك لإسرائيل.



تصريحات براك تكشف عن معادلة شديدة الحساسية تحضر لها أميركا فهي لا تريد الانخراط المباشر في مواجهة داخل لبنان، لكنها تهيّئ المسرح سياسيًا وإعلاميًا لتبرير أي تحرّك إسرائيلي محتمل. وفي المقابل، تبقى الدولة اللبنانية الحلقة الأضعف في هذه اللعبة، عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة أو تقديم بدائل واقعية. وبينما يُشخّص براك عجز الجيش يغيب أي التزام أميركي لسدّ هذا النقص، ما يطرح تساؤلات حول صدقية الخطاب الأميركي تجاه لبنان. بين التهويل الكلامي والتهديد العسكري، يقف لبنان أمام استحقاق خطير: إما استيعاب الضغوط بقرارات داخلية تُظهر حدًا أدنى من الجدية، أو انتظار مواجهة مفتوحة قد تفرضها إسرائيل في ظل صمت أميركي محسوب.