روي أبو زيد

عامان من التحضيرات المكثّفة

"مدينة الشمس" رواية في معرض "أرشيف الخلود"

24 آب 2019

13 : 00

تجتاز الطابق الثاني في متحف ألفرد سرسق للوصول الى معرض مصغّر تغزل فيه الشمس خيوطها، كيف لا وما يعرض يعكس عظمة مدينتها...مدينة الشمس؟! "بعلبك أرشيف الخلود" معرض يبيّن ذاكرة القلعة الرومانية، ويسلّط الضوء على أرشيفها الذي لا يقدّر بثمن، بدعم من مؤسسة فيليب جبر بالتعاون مع لجنة مهرجانات بعلبك الدولية، وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار. يشدّد المشروع على تاريخ المدينة منذ آلاف السنين حتى زمننا المعاصر، تراثياً، أنثروبولوجياً، إثنوغرافياً، فنياً وثقافياً.

أصل تسمية "بعلبك" يعود الى "بعل بك" أي مركز بعل، إله الشمس عند الرومان، ومن هذا المنطلق، قدّم القيّم على المعرض فالي محلوجي هذه المدينة معتمداً على الوسائل السمعية والبصرية. وأكد أنّ "معرض "بعلبك، أرشيف الخلود" يتتبّع مرحلة ملحمية من الدراما الإنسانية من خلال قصة بعلبك وعدساتها، وحواراتها، ومنظوراتها المختلفة العديدة – فيجتاز القديم والحديث؛ والأسطوري والتجريبي؛ والرمزي والمادي؛ وتاريخ العالم والشهادة الشخصية؛ إلى الصعود الرمزي لبعلبك كعلامة تجارية وطنية للوطن الحديث لبنان".

تستهل بمعلومات تحدّد لك التغييرات التي مرّت بها مدينة الشمس عبر التاريخ، حقبات من أزمنة "المستوطنات الأولى إلى الوقت الحاضر"، "الثورة الزراعية ومهد الحضارة"، كما تلاحظ آثار الحقب التاريخية الأخرى، كالآرامية ، الأشورية ، الفارسية والرومانية، وصولاً إلى الحقبة الحديثة.

وتؤكد المسؤولة الإعلامية في المتحف مورييل قهوجي لـ"نداء الوطن" على أنّ "غالبية الصور واللوحات تظهر سمات جماليّة من القلعة والمدينة"، مضيفةً أنّ "اللوحات الزيتية تعود لفنانين أجانب ومحليين كنبيل نحاس، رفيق شرف وفيليب جبر ومارك سرسق كوكرن ومجموعة "رفيق شرف" وغيرهم".

وتلفت الى أنّ "المديرية العامة للآثار قد أعارت المعرض بعضاً من آثار القلعة كي يعرض للزوّار، فضلاً عن وجود مخطوطات وكتب وتماثيل نصفية تبيّن أهمية تاريخ مدينة الشمس".

سعى المسافرون الأوروبيون والرحالة منذ القرن السابع عشر، الى استكشاف المدن التي ضمّت خطى الصليبيين في العصور الوسطى والاسكندر الكبير والإرساليات والمستشرقين. ومن هذا المنطلق، يتحدث ابن المدينة الشاعر خليل مطران عن بعلبك في قصيدة له:

" همّ فجر الحياة بالإدبار

فإذا مر فهي في الآثار

والصبا كالكرى نعيم ولن

ينقضي والفتى به غير داري

يغنم المرء عيشه في صباه

فإذا بان عاش بالتذكار

إيه آثار بعلبك سلام

بعد طول النوى وبعد المزار

ذكريني طفولتي وأعيدي

رسم عهد عن أعيني متواري

مستطاب الحالين صفواً وشجواً مستحب في النفع والإضرار

يوم أمشي على الطلول السواجي لا افترار فيهن إلا افتراري

نزقاً بينهن غراً لعوباً لاهباً عن تبصر واعتبار..."

كما تغنّى مطران بقلعة بعلبك في قصيدة أخرى، قبل أن ينهيها بصورة غير متوقّعة في بيتين يتغزّل فيهما بحبيبته التي يحجب جمالها روعة تماثيل المعابد:

"نظرت هندٌ حسنهنّ فغارت أنتِ أبهى يا هند من أن تغاري

كلّ هذي الدّمى التي عبدوها لكِ يا ربّة الجمال جواري!"

قصائد كثيرة يمكن ملاحظتها أثناء اطّلاعنا على النواحي الأدبية لبعلبك خلال تجوّلنا في المعرض، إذ اعتبر الشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين في كتابه "رحلة الشرق" أنّ "هياكل بعلبك بنتها مخلوقات فضائية، إذ مجرّد رفع صخرة من صخور القلعة يتطلّب حشد قوّة ستين ألف رجل في زمننا الحاضر". أما الكاتب غوستاف فلوبير فرأى أنّ "بعلبك مشهد تاريخيّ لم يسبق لأيّ رسام على حدّ علمي أن صنع مثيلاً له. لا شيء ينقصه لا الآثار ولا الجبال ولا الرخام ولا المياه الجارية".

ويشير الكتيّب الخاص بالمعرض الى أنّه "مع اللبننة، تنتقل بعلبك من ماض غير قابل للتوفيق، لتصبح العلامة التجارية الرمزية الأكثر تكراراً للون الجديد". وتتجلّى هذه العلامة في سلسلة من الملصقات الدعائية السياحية التي تعود إلى حقب مختلفة من التاريخ الحديث. لذلك نلحظ بعض الوثائق المعروضة المتعلّقة بالآثار وتظهر مراحل تحويل المدينة الأثرية إلى أيقونة، فأضحت "أسطورة الماضي المثالي" و"المنطلق للوطن الجديد"، خصوصاً بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. كما يحدّد المعرض أهمية بعلبك للبنان الحديث، كواحدة من رموزه الوطنية الأساسية، إذ أصبحت تتصدّر ملصقات سياحية ترويجية معروضة للخطوط الجوية اللبنانية، ووزارتي السياحة والثقافة، إضافة إلى طوابع أميرية احتلَّت مساحة كبيرة منها تماماً كأرزة لبنان.

خلال تجوالنا لاحظنا زحمة حول لوحة زيتية عن المدينة، وحين رأيناها أدركنا السبب: مشهد مجسّد بإتقان يعكس التأمّل الذي مارسه الرسام نبيل نحاس قبل أن ينفّذ لوحة "مدينة الشمس". لوحة قد تكون مصدر وحي وإلهام لأعمال أخرى تحاكي "مدينة الشمس"، مرسومة بتقنية الأكليريك على الكانفاس وتصوّر معبد جوبيتر في قلعة بعلبك الأثرية.

وتكشف إدارة المعرض أنّ "هذه اللوحة سيُجرى عليها مزاد علني الشهر المقبل، يعود ريعه لمتحف سرسق ومهرجانات بعلبك". وتنهي جولتك في المعرض الذي استغرق سنتين من التحضيرات على وقع صوت فيروز تغنّي لبنان وسط هياكل بعلبك!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.