رفيق خوري

أكثر من لعبة في المدينة

4 دقائق للقراءة

لا مهرب من التشابك بين الصراع الداخليّ في لبنان والصراع الخارجيّ على لبنان. وليس خارج المألوف أن تأخذ قوى محلية "هوية" إقليميّة وتُعطى قوى إقليمية "هوية" داخلية. لكن قمّة الخطر أن يصبح الصراع الطبيعي على السلطة صراعًا على الوجود والهوية ومستقبل الوطن. ومتى؟ حين تكون الفرصة المفتوحة أمام لبنان بقوّة التحوّلات الإقليمية والدولية المتسارعة مهدّدة بسياسات الإصرار على مواجهة التحوّلات وتغيير الموجة في الاتجاه المعاكس والعودة إلى ما يسمّيها محمد أركون "السياجات الدوغمائية".

ذلك أن ما تراهن عليه الدولة من حصرية السلاح بيدها، وسط أوسع تأييد شعبي وعربي ودولي، ليس اللعبة الوحيدة في المدينة، كما يجب أن تكون عليه الوقائع. فلا إسرائيل أوقفت الحرب بعد الاتفاق على وقف الأعمال العدائية منذ الخريف الماضي، أو انسحبت من الأرض التي احتلتها في الجنوب، أو وافقت على ورقة توم برّاك الأميركية المعدّلة لبنانيًا، أو تهدّد بأقلّ من القول "إن المهمة في الشمال لم تنجز بالكامل بعد". ولا "حزب اللّه" توقف عن الرفض القاطع لقرار مجلس الوزراء وخطة تسليم السلاح، أو تخلّى عن إنكار الهزيمة والإيحاء يوميًا أن "المقاومة الإسلامية" مستمرّة مع استعادة قوّتها، أو وعد لبنان والجنوب المهجّر والمدمّر بأقلّ من حرب دائمة مع العدوّ المتفوّق عسكريًا وأمنيًا وتكنولوجيَا والقادر على خرق "حزب اللّه" وكشف تحرّكاته حتى على مستوى تحرّك أفراد على درّاجات.

والمشهد من حولنا بالغ التعبير. ما يسمّى "الميكانيزم" لتطبيق القرار 1701 بإشراف أميركي وفرنسي لا يعمل إلّا بالصدفة. وما قيل عن انسحاب "حزب اللّه" من جنوب الليطاني وسحب أسلحته وكشف الجيش وقوات اليونيفيل لمنشآت وأنفاق وذخائر وصواريخ بدا مجرّد عيّنات محدودة، حيث المخفيّ أعظم في الجنوب نفسه قبل الحديث عن بيروت والبقاع. رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يستنكران الاعتداءات الإسرائيلية ويطالبان أميركا وفرنسا بالضغط على نتنياهو، ويؤكّدان أن قرار الحصرية لا رجعة عنه، لكنهما يدركان أن الدولة عالقة في "ربط نزاع"مع "الثنائي الشيعي" لا حلّ له بالحوار، ولا بالصدام. حتى استعادة قرار الحرب والسلم، فإنها تواجه تحدّيات من الذين اعتادوا الإمساك به هنا وفي طهران.

واللعبة بالنسبة إلى إسرائيل واسعة برعاية أميركية تشمل غزة ولبنان وسوريا والعراق وصولًا إلى إيران. وهي بالنسبة إلى "حزب اللّه" أوسع وتشمل كل بلدان المنطقة ضمن توجّه واحد هو "مقاومة" إسرائيل كخطر على الجميع. فما يخطط له نتنياهو هو مناطق عازلة منزوعة السلاح من حول الدولة العبرية لتكون "قوة إقليمية عظمى" مطمئنة إلى تفوّقها وأمنها على حساب الآخرين. وما تعمل له طهران هو إحياء "محور المقاومة" ضد إسرائيل وأميركا واستعادة دينامية المشروع الإقليمي الإيراني.

وليس جديدًا أن يتصرف "حزب اللّه" كأنه "دولة" كاملة الأوصاف. ولا أن يعرض برنامج الاستعداد لقتال العدو. الجديد هو أن الشيخ نعيم قاسم يطلب الحوار مع السعودية بشروطه وعلى قاعدة العداء لإسرائيل بعد حملات مستمرّة من زمان على سياسة الرياض وما هو أعمق من السياسة ووضعها في خانة "التآمر مع أميركا وإسرائيل". وهو يتجاوز، إرادة الدولة الإمساك بقرار الحرب والسلم، والرغبة في أن تكون العلاقات بين السعودية ولبنان من دولة إلى دولة. لكن ما يراه الشيخ نعيم هو أن قرار الحرب والسلم ليس في يد الدولة ولا في يد "حزب اللّه" بحيث يقول في كتاب "حزب اللّه: المنهج والتجربة"، "نحن لا نتخذ قرار الحرب والسلم بأنفسنا بل نعود فيه إلى الولي الفقيه الذي يحدّد متى تكون المواجهة واجبًا شرعيًا". وإذا كان "حزب اللّه" باعتراف أمينه العام حزبًا إيرانيًَا، فإن لبنان ليس بلدًا تابعًا لطهران لكي تقرّر عنه، ولا هو مساحة جغرافية يديرها الولي الفقيه جيوسياسيًا واستراتيجيًا. وكفى سماع الغطرسة من فوق منبر الاستتباع".

ولا بأس في أن يأخذ المسؤولون بما يقول الرئيس جورج بوش الابن إن ما تعلّمه من تجربة والده الرئيس بوش الأب: "ضرورة إنفاق رأسمالك السياسي".