في بدايات الحرب اللبنانية، كتب الصحافي الراحل فوزي حامد شلق مقالًا لاذعًا عن سلوك النظام السوري بقيادة حافظ الأسد قال فيه: "أسد أسد في لبنان… أرنب أرنب في الجولان". كانت العبارة تلخيصًا مكثفًا لسياسة دمشق يومها: استعراض قوة داخل لبنان يقابله تراجع وضعف أمام إسرائيل.
اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يبدو المشهد وكأنه يُعاد إنتاجه بصيغة جديدة. فـ"حزب الله"، الذي قدّم نفسه طويلًا باعتباره قوة مقاومة لردع الاحتلال الإسرائيلي، كرّر المعادلة نفسها. فمنذ أحداث 7 أيار 2008، فرض الحزب هيمنته الأمنية والسياسية في بيروت بمنطق الغلبة، محوّلًا العاصمة إلى ساحة لإبراز نفوذه، أكثر منها فضاءً للتعددية والانفتاح. وفي المقابل، وجد نفسه بعد حرب الإسناد الفاشلة عاجزًا أمام معادلات تفرضها إسرائيل بالنار والحديد.
آخر تجليات هذا السلوك برز في مشروع إضاءة صخرة الروشة أو "صخرة الحمام" بصورة الأمين العام السابق للحزب السيد حسن نصرالله. خطوة رمزية ظاهريًا، لكنها مثّلت بالنسبة لكثير من أبناء العاصمة تحديًا مباشرًا لهويتها، ومحاولة لتطويع معلم وطني وتحويله إلى أداة دعائية حزبية. لم يعد الأمر مجرد مشهد إعلامي، بل رسالة واضحة: الحزب يريد أن يطبع بيروت بهيبته ورموزه.
في المقابل، جاء موقف رئيس الحكومة نواف سلام كاستعادة نسبية لهيبة الدولة. فقراره منع استخدام الأمكنة العامة للدعاية السياسية أو الحزبية حمل بعدًا سياسيًا أبعد من شكله الإداري، إذ أعاد التذكير بأن القانون فوق الجميع، وأن الملكية العامة ليست مجالًا لتنافس الشعارات. قد لا يكون القرار كافيًا بذاته، لكنه أعاد فتح النقاش حول قدرة السلطة الشرعية على ممارسة صلاحياتها.
إلا أنّ الرد لم يتأخر. فقد أصدر "حزب الله" بيانًا متحديًا أعلن فيه: "لمناسبة الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله والأمين العام لحزب الله السيد هاشم صفي الدين، نتشرف بدعوتكم للمشاركة في فعالية إضاءة صخرة الروشة بصورة السيدين". بيان بدا وكأنه إعلان صريح باستمرار الحزب في التعامل مع الدولة كجسم إداري ملحق لا يملك الكلمة الفصل.
التحدي الفعلي اليوم يكمن في مدى قدرة الحكومة على تنفيذ قراراتها على الأرض. فالحزب ما زال يتصرّف كقوة فوق الدولة، مستندًا إلى فائض سلاح ونفوذ، ومكرّسًا معادلة واضحة: الداخل اللبناني هو مجال استعراض القوة للحفاظ على الهيبة وإعطاء معنويات للبيئة.
لكن هنا يطلّ عنصر إضافي في المشهد: الرئيس نبيه بري، الذي اعتاد عند كل أزمة إخراج "أرنب" للتسوية على قاعدة "لا يموت الديب ولا يفنى الغنم". غير أن هذا المنطق لم يعد يصلح اليوم. على الرئيس نواف سلام أن يراجع التاريخ جيدًا: الرئيس الشهيد رفيق الحريري قَبِل بالتسويات يومًا لحماية الاقتصاد، لكن النتيجة كانت اغتياله وانهيار البلد. التسويات المتكررة أنهكت لبنان، وحوّلته إلى لقمة سائغة في فم التنين الصهيوني.
والتحذير هنا واضح: لن ينقذ لبنان من مأزقه سوى وقفة رجل دولة حقيقية تعيد للدولة هيبتها، وتضع حدًا لمنطق الاستقواء والدويلة. فإما أن تكون بيروت عاصمة لكل اللبنانيين، وإما أن تبقى عالقة في معادلة "مستأسد على الداخل، ومتأرنب أمام الخارج".