تحوَّل مشهد إصرار "حزب الله" على إضاءة صخرة الروشة في بيروت، خلافاً للتعهُّدات الرسمية التي التزم بها المنظِّمون أمام محافظ بيروت، إلى أكثر من مجرَّد جدل داخلي حول نشاط شعبي. لقد صار مؤشراً خطيراً على مدى عجز الدولة اللبنانية عن فرض قراراتها في أبسط القضايا، وكيف أن هذا العجز ينعكس مباشرةً على صورتها أمام المجتمع الدولي، ليضعها في موقعٍ لا يليق بدولةٍ تسعى إلى الدفاع عن سيادتها في وجه إسرائيل.
قرار رئيس الحكومة كان واضحاً: المعالم الوطنية لا يجوز استغلالها لأغراض سياسية أو حزبية. ومع ذلك، جرى تجاهل هذا القرار في مشهدٍ يؤكد أن ثمة قوة ميليشياوية سياسية – عسكرية ترى نفسها فوق القانون، وقادرة على فرض إرادتها على لبنان حكومة وشعباً. هنا، لا نتحدث عن إضاءة صخرة فحسب، بل عن كسرٍ متعمد لهيبة الدولة عن سابق تصوُّر وتصميم، لتثبيت معادلة أن المؤسسات الرسمية عاجزة أمام إملاءات ميليشيا "حزب الله".
في اللحظة الدقيقة التي يواجه فيها لبنان خطر التصعيد الإسرائيلي، كان يُفترَض على "حزب الله" التَّعقُّل والتصرف بحكمة لتظهر الدولة بمظهر القوي المتماسك القادر على ضبط أرضها ومطالبة العدو بالكف عن انتهاك سيادتها. لكن الغباء العاطفي الذي يدير "حزب الله" اليوم أرسل رسالة معاكسة: دولة مفكَّكة، عاجزة حتى عن حماية رمز سياحي من الاستغلال السياسي. هذه الصورة المهينة استُقبِلت في الخارج كدليل إضافي على ضعف الدولة وتبعيتها، ما يقلّل من قدرتها على حشد الدعم الدولي في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، أو حتى في مفاوضاتها مع المؤسسات المالية والجهات المانحة.
الأخطر أن ما جرى قدَّم لإسرائيل على طبقٍ من فضة ما كانت تسعى إليه منذ سنوات: تصوير لبنان كدولة فاشلة، رهينة ميليشيا مسلحة لا تخضع لسلطتها الشرعية. فحين تُكسَر هيبة الدولة أمام الرأي العام العالمي بسبب صخرةٍ مُضاءة، يصبح من السهل على إسرائيل أن تبرّر اعتداءاتها بحجة "غياب الشريك الرسمي" وأن القرار الفعلي بيد ميليشيا "حزب الله" لا الحكومة. وهكذا، بدلاً من أن يُظهِر لبنان وحدة صف في وجه العدو، بدا مشلول القرار، وعاجزاً عن فرض سلطته على أرضه ورموزه.
ما حصل في الروشة ليس حادثاً معزولاً، بل حلقة جديدة في مسار طويل من تقويض سلطة الدولة. وكلما سمحت المؤسسات الرسمية بتكرار هذه الخروق، كلما تعمَّقت الهوّة بينها وبين مفهوم السيادة. المسألة لم تعد مرتبطة بإضاءة صخرة أو رفع صورة، بل بهوية لبنان نفسه: هل هو دولة تحكمها القوانين، أم ساحة تُدار بقوة السلاح والرموز المفروضة؟
إضعاف صورة الدولة في الداخل يفتح الباب أمام انهيار ثقة المواطنين بها، لكن إهانتها أمام المجتمع الدولي أخطر بما لا يُقاس، لأنها تعني فقدان الدعم، وتكريس رواية العدو عن لبنان ككيان هشّ. بهذا المعنى، فإن ما جرى لم يكن فعلاً رمزياً عادياً، بل انتهاكاً سيادياً خطيراً قد تكون كلفته السياسية والأمنية باهظة. إن استعادة هيبة الدولة ليست شعاراً للاستهلاك الداخلي، بل شرطاً أساسياً لصمود لبنان أمام أعدائه، ولإقناع العالم أنه ما يزال دولة قائمة لا مجرد ساحة مفتوحة.