منذ الساعات الأولى من مساء أمس الخميس، بدأت الحشود تتوافد إلى صخرة الروشة في بيروت لإحياء الذكرى الأولى لاغتيال الأمينين العامين الراحلين لـ"حزب الله" حسن نصرالله وهاشم صفي الدّين. الأعلام الصفراء غطّت المكان، فيما حضرت بعض الرايات الخضراء أيضًا، في مشهد طغى على ملامح العاصمة بيروت. مع كل صورة تُعرض لـ"السيد" على الشاشة، أو مع كل كلمة مسجّلة بصوته تُبث عبر مكبرات الصوت، كانت تعلو أصوات البكاء من بين المناصرين، وكأن المشهد جزء من طقس جماعي محمّل بالرمزية والانفعال.
لكن خلف هذه الأجواء، برزت مواقف لا تخلو من التهديد والعدائية. فبينما كنتُ أتجوّل في المكان، كرر أكثر من شخص سؤالي: "من أي إذاعة أنتِ؟"، فتجاهلت الإجابة في كل مرة. إلا أن أحدهم تقدّم مني ووقف وجهًا لوجه مباشرة أمامي، وسأل بصوت مرتفع: "أنتِ معنا أم ضدنا؟". وعندما رددتُ عليه بسؤال: "وما الفرق؟"، أجاب: "أصلاً لا تملكين الجرأة للقول إنك ضدنا، ولكن لو علمت أنك من "الحدث" أو "العربية" أو الـMTV، لرميتك في البحر". تابعت طريقي، مقتنعةً أن "كل ديك على مزبلته صياح"، وأن التهديد هنا يعكس جبنًا وقوة لا تظهر إلا تجاه الداخل.
وسط الهتافات، ارتفع شعار "شيعة، شيعة، شيعة"، ليعقبه شتم مباشر للطوائف الأخرى من سنة ومسيحيين. التفتُّ بعفوية لأرى وجه مطلق الشتائم، فقال لي: "بدن أكثر من هيك". هنا كان السؤال: هل يمكن أن أعبّر عن وجهة نظري أم سأُتّهم بالعمالة أو أتعرض للاعتداء في قلب بيروت العاصمة؟
ارتفعت الازدواجية إلى أقصاها. الحزب الذي شدّد على أن صخرة الروشة ملك للجميع، هدد في المقابل من يقترب أو يقف بينهم من الرأي الآخر بالرمي في البحر.
وعندما حانت لحظة إضاءة الصخرة، باءت المحاولات الأولى بالفشل، وحين نجحوا أخيرًا، ظهر العلم اللبناني لأقل من دقيقة، في مشهد أقرب إلى "رفع عتب"، قبل أن يُستبدل سريعاً بصور هاشم صفي الدين وحسن نصرالله ولكن بصورة "مغبّشة" و غير واضحة. وعندها علت الهتافات: "بالقوة، بالقوة ضوّيناها بالقوة"، ليُعلن بذلك انتصار وهمي جديد يضاف إلى سجل إنتصارات المقاومة. لكن، أي قوة هذه التي تتجاوز قرارات الدولة؟
ولم تقتصر الإضاءة على صورتي حسن نصرالله وهاشم صفي الدين فقط، بل ظهرت لاحقًا على الصخرة أيضًا صورة تجمع نصرالله بالرئيس الشهيد رفيق الحريري ورئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري. وهي خطوة أثارت تساؤلات عمّا إذا كانت تهدف إلى الاستفزاز، أو محاولة لتمرير رسائل سياسية مبطّنة، خصوصًا في ظل الانقسام الداخلي الحاد.
مع انتهاء الفعالية، خرج المناصرون بهتافاتهم المعتادة، معتبرين أن "النصر تحقق"، ومؤكدين أنهم "غصبًا عن نواف سلام والدولة ضوّوها". وفي ختام المشهد، تعرّض الحاج وفيق صفا لوعكة صحية، فحُمل على كرسي إلى الرصيف محاطًا بعشرات المرافقين الذين ردّدوا "ابتعدوا… الحاج تعبان". سلامتك حاج، لكن يبدو أن كسر قرارات الدولة كان فعلاً مرهقًا هذه المرة.