الذكاء الاصطناعي والفنون التقليدية: تعطيل أم تطوير؟

4 دقائق للقراءة
لوحة من إنتاج الذكاء الاصطناعي

لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي (AI) محصورًا في التكنولوجيا والصناعة، بل امتدّ ليهزّ عالم الفنون التقليدية، مثيرًا جدلًا واسعًا بين من يراه خطرًا على الأصالة وبين من يعتبره أفقًا جديدًا للإبداع. دراسة حديثة بعنوان "أثر الذكاء الاصطناعي على الفنون التقليدية: تعطيل أم تعزيز؟" نشرت في "المجلة الهنديّة لعلوم وهندسة الحاسوب"، قدّمت قراءة معمّقة لهذه الإشكالية.


تهديد الأصالة والوظائف

ترى الدراسة أنّ أبرز المخاطر تكمن في فقدان الإحساس بالأصالة. فالأعمال التي يُنتجها الذكاء الاصطناعي قد تبدو لافتة بصريًا، لكنها غالبًا ما تفتقر إلى البعد الإنساني والثقافي المُرتبط بتجربة الفنان ومعاناته وسياقه الاجتماعي. لهذا السبب، يؤكّد منتقدون أنّ الفن ليس مجرّد صورة جميلة، بل هو رسالة وموقف وذاكرة جماعية.


وتبرز هنا أيضًا مشكلة تدريب الخوارزميات، إذ تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على ملايين الصُّور واللوحات والنصوص والمقاطع الموسيقيّة المتوفّرة على الإنترنت، من دون طلب إذن أصحابها أو دفع تعويض لهم. وهذا يخلق إشكاليّتَين رئيسيَّتَين: الأولى قانونيّة تتعلّق بحقوق استخدام أعمال الفنانين لتدريب أنظمة آلية دون موافقتهم. والثانية أخلاقيّة تتعلّق بعدم الإنصاف في استغلال أساليب المبدعين لإنتاج أعمال قد تنافسهم في السوق من دون تعويض أو اعتراف بجهودهم.


هذا الجدل تحوّل إلى نزاعات قضائيّة فعليّة. ففي العام 2023، رفع عددٌ من الرسّامين الأميركيّين دعاوى ضد منصّات مثل "Stability AI" و "MidJourney" بعد أن استُخدمت أعمالهم لتدريب الخوارزميات. وفي مجال الموسيقى، واجهت منصّات ذكاء اصطناعي اتهامات بإنتاج أغنيات بأصوات فنانين مشهورين، مثل المغنّي الكندي Drake وزميله الكنديّ أيضًا The Weeknd، من دون ترخيص. حتى الكتّاب لم يسلموا، إذ رفع بعضهم دعاوى على شركات "AI" بعدما لاحظوا أنّ كتبهم ومقالاتهم استُخدمت في البيانات التدريبية. يُذكر أنّ في نيسان 2023، سُحبت أغنية "Heart on My Sleeve" من منصّات مثل "Spotify" و "YouTube" بعدما تبيّن أنها تحتوي على أصوات مولّدة بالذكاء الاصطناعي تحاكي صوتَي Drake و The Weeknd. هذا الحدث أثار جدلًا واسعًا حول حقوق الملكيّة الفكريّة في الموسيقى المولَّدة بالذكاء الاصطناعي.


يضاف إلى ذلك، خطر تراجع قيمة الأعمال الفنّية حين يعرف الجمهور أنها صُنعت بمساعدة الآلة، فضلًا عن تهديد مهن مثل التصميم والموسيقى والرسوم التوضيحيّة، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينجز أعمالًا بسرعة وكلفة أقل، ما يهدّد فرص عمل آلاف المبدعين.


فرص الإبداع وحفظ التراث

في المقابل، ترى الدراسة أنّ الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا مطلقًا، بل يمكن أن يكون أداة قوية لتعزيز الإبداع إن استُخدم كشريك للفنانين. وتشير إلى أنّ العديد من المبدعين أصبحوا أكثر إنتاجيّة بفضل هذه التقنيّات، إذ تساعدهم على توليد أفكار جديدة وتجربة إمكانيات متنوّعة بسرعة. ففي مجالات مثل الموسيقى والرقص، يُستخدم الذكاء الاصطناعي، وفقًا للدراسة، كمصدر إلهام لإنتاج أنماط مبتكرة، بينما يتيح لغير المتخصّصين دخول عالم الفن بسهولة من خلال أدوات بسيطة وسهلة الاستخدام. كما تؤكّد أنّ للذكاء الاصطناعي دورًا بارزًا في حماية التراث الثقافي، إذ تُستخدم تقنيّاته لترميم الجداريات التالفة، وإعادة الألوان الأصليّة للرسومات القديمة، وتحليل الخطوط اليدوية، ورقمنة الأرشيف، ما يساهم في الحفاظ على الثقافة ونقلها إلى الأجيال المقبلة.


مستقبل الفنون 

وتخلص الدراسة أخيرًا إلى أنّ التحدّي الحقيقي ليس في منع الذكاء الاصطناعي، إنما في كيفية تنظيم استخدامه. فهي تدعو إلى قوانين واضحة لحماية حقوق الفنانين، وإلى نماذج تعاون تجعل الذكاء الاصطناعي شريكًا لا بديلًا. كما توصي بتأمين وصول عادل إلى هذه التقنيات، كي لا تُحتكر من قبل المؤسسات الكبرى وحدها.