د. جوسلين البستاني

عرض على الصخرة… وانكسار في الوطن

5 دقائق للقراءة

في ليلة الخميس الماضي، عرض "حزب اللّه" صور أمينه العام السابق السيد حسن نصراللّه، ورئيس المجلس التنفيذي السيد هاشم صفي الدين، على صخرة الروشة الشهيرة في بيروت. للوهلة الأولى قد يبدو المشهد تكريمًا لقيادات راحلة، لكن القراءة السياسية تكشف أنه كان فعلًا مدروسًا في إطار الحرب النفسية التي يديرها "حزب اللّه" داخل لبنان.

الرسالة كانت واضحة: نحن هنا، نحن لبنان، ولبنان هو نحن. من خلال عرض صور قادته على صخرة الروشة، حاول "حزب اللّه" طمس الحدود بينه وبين الكيان اللبناني.

هذا ما يمكن تسميته استيلاءً على الهوية، أي مصادرة الرموز الوطنية المشتركة وتوظيفها في خدمة هوية حزبية وطائفية. بالنسبة لمناصري "حزب اللّه"، جسّد العرض انتصارًا وترسيخًا لهويتهم داخل "صورة لبنان"، وكان المشهد باعثًا على الفخر والصمود والانتماء. أما بالنسبة لخصومه، فقد شكّل سلبًا لمعالم مدنية وتحويلها إلى مزار حزبي مُقسِّم. إذ إن تحويل هذا الرمز المدني إلى شاشة حزبية يعني مصادرة هوية وطنية لصالح مشروع فئوي. وبهذا تحوّل إلى إهانة مباشرة وشعور بالاغتراب عن الوطن، إذ بدا وكأن معلمًا وطنيًا يُختطف ويُسخَّر لإعادة إنتاج صورة ميليشياوية.

إن تحويل الروشة إلى شاشة حزبية ليس مجرّد عرض ضوئي؛ بل هو إعلان عن سيطرة رمزية على قلب العاصمة. لكنه في الوقت نفسه اعتراف ضمني بالهشاشة. فمن يكتفي بإسقاط صور على الحجر إنما يُقرّ، من حيث لا يريد، بفقدان القدرة على صناعة واقع في الميدان.

فخلف هذه الاستعراضات يختبئ فراغ أكبر. فـ "حزب اللّه"، الذي طالما قدّم نفسه رأس حربة "المقاومة"، يجد نفسه اليوم عاجزًا عن مواجهة إسرائيل ميدانيًا: لا يجرؤ على التصعيد، ولا يستطيع تحقيق إنجاز عسكريّ. لذلك يلجأ إلى ما هو أقل كلفة وأكثر رمزية: عروض بصرية وصوتية داخل لبنان. وما عجز عن فعله بالسلاح، يحاول تعويضه بالصورة.

الخطوة استهدفت أيضًا البُعد الانفعالي. وبطبيعة الحال، تباينت ردود الفعل: أنصار "حزب اللّه" شعروا بالفخر والتبجيل، فيما غرق خصومه في الإذلال والغضب. لم يكن ذلك عَرَضيًا، بل يندرج ضمن التلاعب بالمشاعر، أي توجيه الانفعالات كأداة سياسية مقصودة. فـ "حزب الله" يدرك تمامًا أن عرض الصور سيولّد مشاعر متناقضة: الاعتزاز في صفوفه، والمهانة في معسكر معارضيه. إنه ما يمكن وصفه بـ "الإذلال كسلاح سياسي"، حيث يستثمر "حزب اللّه" في إحساس خصومه بالعجز، ويُحوّله إلى صورة لهيمنته داخل المجال العام: يفعل ما يشاء، متى يشاء، من دون رادع أو قدرة للدولة على مواجهته.

والإذلال تحديدًا سلاح فعّال، لأنه يُجرّد الخصم من كرامته. واللبنانيون المناهضون لـ "حزب اللّه" رأوا في العرض أيضًا دليلًا على عجز الدولة: فلا رئيس الحكومة ولا النواب تمكّنوا من منعه من السيطرة على رمز وطني. أما بالنسبة لـ "حزب اللّه"، فإذلال الآخرين يُعَدّ بحدّ ذاته نصرًا.

هكذا يتعمّق الاستقطاب الانفعالي: فالصورة نفسها تمنح الفخر لجمهور، والإهانة لجمهور آخر، فتزيد الانقسامات وتجعل أي أرضية وطنية مشتركة أبعد منالًا. وإلى جانب هذا البعد، ثمة بُعد أعمق يتمثل في أن العرض جاء ليعوّض القوة التي لم يعد "الحزب" قادرًا على استعمالها.

هذا ما يُسمّى إعادة تأطير تضليلية. فعبر عرض الصور، يصنع "حزب اللّه" وهم القوّة والقدرة على الاستمرار، محوّلًا الانتباه بعيدًا من شلله العسكري نحو صورة حضور كاسح: حتى في قلب بيروت، يبقى حاضرًا.

كما يمكن اعتبار ذلك نوعًا من المحاكاة الرمزية: فالرسالة إلى جمهور "حزب اللّه" هي "ما زلنا هنا، لم نهزم، نحن طليعة لبنان"، أما إلى خصومه فالمغزى مختلف: "لا مفر منّا، حتى رموزكم المدنية تحت سيطرتنا".

يكشف هذا المشهد عن ترسانة "حزب اللّه" التواصلية بوصفها نظامًا ثلاثي الأبعاد: أولًا، الاستيلاء على الهوية، أي مصادرة الرموز الوطنية للتأكيد أن "حزب اللّه هو لبنان". ثانيًا، التلاعب الانفعالي، عبر صناعة الفخر لجمهوره والإذلال لخصومه، بما يعمّق الاستقطاب. وأخيرًا، إعادة التأطير التضليلية، أي استبدال الضعف العسكري بعروض رمزية تُظهره كقوة فعليّة.

هذه العناصر الثلاثة تتغذى بعضها من بعض: فالاستيلاء على الهوية ينجح لأنه يثير انفعالات قوية؛ والانفعالات تُرسّخ فعالية التضليل؛ والتضليل بدوره يعزز ادّعاءات الهوية.

عرض صخرة الروشة ليس حدثًا معزولًا، بل جزءًا من استراتيجية أوسع يعتمدها "حزب اللّه" في مواجهة خطاب نزع السلاح. فمن خلال الاستيلاء على الهوية، أصبحت الميليشيا هي الأمّة، بعد أن وفّرت لنفسها العزّة والكرامة عبر التلاعب الانفعالي، وصولًا إلى تصويرها كضرورة وطنية لا كقوة طائفية، وذلك بفعل إعادة التأطير التضليلية. ثم جرى تحويل طقوس الشهادة والموت إلى انتصار، ما ولّد التبجيل لدى الأنصار. وأخيرًا، في الخطاب الإعلامي، تمكّن "حزب اللّه" من إزاحة السردية التي تُخفي واقع اعتداءاته على الأفرقاء الآخرين، والتي لطالما أنكرها مصوّرًا نفسه كضحية أو كحامٍ.

يختزل عرض صخرة الروشة إذًا منهج "حزب اللّه" في الحرب النفسية في لحظة ضعف استراتيجي. لكنه لم يكتفِ بخطف صخرة الروشة، بل خطف معها ما تبقّى من صورة الوطن المشترك، محوّلًا رمزًا مدنيًا جامعًا إلى شاهدٍ على سطوة الميليشيا وسط عجز الدولة وصمتها.