نبيل يوسف

أول تجرية حوارية عرفها لبنان خلال سنوات الحرب والخطف

قصة الأب جوزيف خليل: أنقذ 20 مخطوفًا وشقيقه ما زال مفقودًا

7 دقائق للقراءة
الأب جوزيف خليل

عرف لبنان طوال 15 سنة من الحرب مؤتمرات وهيئات وطاولات حوار عدّة لم تؤدّ إلى وقف الحرب إلا بعد تدخّل دولي - عربي، تُرجم في اتفاق الطائف.  

أول تجربة حوارية كانت في أواخر أيلول 1975، فماذا جرى يومها؟

حلّ شهر أيلول من ذاك العام، ليكون بحقٍ "أيلول الأحمر" الذي خضّب أرض لبنان بالدماء الذكية، وروّع الناس بمجازر الذبح والقنص والخطف والتشويه والتعذيب، وترك للمرّة الأولى في تاريخ لبنان، منذ عام 1860، بلدات مهجورة ومدمّرة، وامتد نشاط المسلحين والقتلة على امتداد أرجاء الوطن.

في مقابل العنف المتنقّل، استمرّ الوفد السوري الذي ضم وزير الخارجية عبد الحليم خدام والعماد حكمت الشهابي واللواء ناجي جميل، في مسعاه بين القيادات اللبنانية. لكن الشكوك حول نواياه، كانت تزداد مع التقارير التي كانت تصل إلى المراجع، عن تعديات وإشعال المعارك التي كان يقوم بها حلفاء النظام السوري، وكأن هناك خطة مدبرة من ذاك النظام بإشعال الحرب والمجيء لوقفها. وكان الاصطدام مع رئيس الجمهورية سليمان فرنجية الذي كان منزعجًا جدًا من التقارير التي وصلته وتقول إنّ السوريين قادمون ليقطفوا ثمار الاضطرابات التي تقوم بها عناصرهم وحلفاؤهم في بيروت.

يروى نقلاً عن الشيخ بطرس الخوري الذي كان في قصر بعبدا عندما حصل اللقاء بين الرئيس فرنجية والوفد السوري، أن رئيس الجمهورية ضرب بيده على مكتبه وقال بعد أن ارتفع صوته وزاد انفعاله: لا أقبل أن تطلقوا عناصركم لتضرب وتحرق وتقتل من جهة، ثم تجيئون أنتم لتفاوضوني من جهة ثانية. بصراحة لا أستطيع أن أتفاوض معكم تحت الضغط.

كادت الأمور تتدهور أكثر بين الطرفين لولا مسارعة العديد من المسؤولين الذين عملوا على ترطيب الأجواء.

ولتأكيد الثوابت المارونية دعا البطريرك خريش إلى اجتماع ماروني، ضم عددًا من المطارنة والرؤساء العامين والرؤساء الموارنة للأحزاب والكتل النيابية.

شارك في الاجتماع: الرئيس كميل شمعون رئيس حزب الوطنيين الأحرار، الشيخ بيار الجميل رئيس حزب الكتائب، العميد ريمون إده عميد الكتلة الوطنية اللبنانية، الشيخ ميشال الخوري رئيس التكتل الدستوري، الدكتور إميل البيطار رئيس الحزب الديمقراطي، النائب طوني فرنجية رئيس كتلة "نواب الوسط"، رئيس الرابطة المارونية شاكر أبو سليمان

صدر في نهاية الاجتماع بيان طالب بوقف القتال وحقن الدماء وأكد فيه المجتمعون إيمانهم الراسخ بالصيغة اللبنانية، وأصروا على رفض أي مساومة على الحد من السيادة الوطنية، كما أبقوا اجتماعاتهم مفتوحة.

أخيرًا، نجحت الوساطة السورية في تهدئة الوضع، وأعلنت جميع الأطراف التزامها وقف إطلاق النار الذي تم الاتفاق عليه، وما يستتبع ذلك من إطلاق للمخطوفين وتولي قوى الأمن ضبط الوضع في مختلف المناطق. واستكمالًا لتهدئة الوضع، أعلن رئيس الحكومة رشيد كرامي في 24 أيلول 1975 تأليف هيئة الحوار الوطني.

ضمت الهيئة كلًا من: الرئيس كامل الأسعد، الرئيس رشيد كرامي، الرئيس كميل شمعون، الرئيس عبد الله اليافي، الرئيس صائب سلام، الأمير مجيد ارسلان، الشيخ بيار الجميل، كمال جنبلاط، ريمون إده، رينيه معوض، خاتشيك بابكيان، رضا وحيد، الياس سابا، عباس خلف، فيليب تقلا، غسان تويني، إدمون رباط، عاصم قانصوه، حسن عواضة، نجيب قرانوح.

الرئيس كامل الأسعد أعلن امتناعه عن المشاركة في أعمال الهيئة على اعتبار أن رئاسة المجلس النيابي تبقى حَكمًا بين جميع الأطراف. ثمّ عاد وشارك في اجتماع شيعي ضم الرئيس عادل عسيران، كاظم الخليل والوزير السابق ماجد حماده، وأعلن اعتراض القيادات الشيعية على تمثيل الطائفة في الهيئة.

علّق اللبنانيون آمالهم على الهيئة لحقن الدماء وإحلال الأمن والاستقرار. تنفّس الناس الصعداء ما بين 24 و 30 أيلول، ففتحت المصارف والمحلات التجارية أبوابها. ليظهر هول الكارثة الهائلة التي حلت على الأسواق التجارية لبيروت خاصة سوق سرسق ومحلة اللعازارية.

رغم الهدوء نهارًا، بقيت أصوات الرشاشات تسمع بصورة متقطعة ليلًا في الأسواق التجارية، وظل الحذر مسيطرًا، وراح التجار مستغلين فترة الهدوء  يفرغون ما تبقى من محلاتهم في العاصمة وينقلونها إلى القرى والبلدات الجبلية.


مذكرة الأحرار والكتائب

عقدت الهيئة جلستها الأولى في 30 أيلول في القصر الحكومي برئاسة الرئيس رشيد كرامي. وقدمت إليها 5 مذكرات من بينها مذكرة لحزبَي الكتائب والأحرار،  جاء فيها: "الدستور اللبناني مرن وملائم للواقع اللبناني ويمكنه استيعاب أماني التطور. أي تعديل أو إلغاء للميثاق الوطني، لا يمكن أن يتم إلا بإجماع اللبنانيين. رفض حصر الصلاحيات في سلطة واحدة على حساب الآخرين حتى لا يؤدي ذلك إلى خلل في الديمقراطية. توصلاً إلى الغاء الطائفية، يجب البدء بعلمنة الدولة عن طريق سن قوانين علمانية مثل قانون موحد للأحوال الشخصية واعتماد الكفاءة في الوظيفة. المشاركة بين الطوائف تكون في حمل المسؤوليات لا في توزيع المناصب والمغانم. لا يمكن القبول بمشاريع التجنيس المعروضة حاليًا.المطلوب إقرار قانون موضوعي للاحزاب وتعديل قانون المطبوعات".

وأكدت المذكرة أن كل المقترحات والمواضيع تبقى عبثًا ما لم تقم في لبنان دولة توطّد سيادتها على كل أراضيها وتطبّق القانون على جميع المقيمين فيه.

انتهت عمليًا مهمة  الهيئة عند رفع اجتماعها الأول. ففي اليوم التالي، الأربعاء 1 تشرين الأول، شهدت بيروت أوسع موجة خطف على الهوية لم تعرفها من قبل، فقد أحصت القوى الأمنية خطف 307 مواطنين من جميع الطوائف. وتم اكتشاف 41 جثة لمواطنين أبرياء، ذنبهم الوحيد مرورهم في شوارع وأحياء من غير دينهم.

استمر جنون الخطف ورمي الجثث، وكانت ذروته الجمعة 18 تشرين الأول حيث أحصت القوى الأمنية ما يفوق الـ 150 مواطنًا اعترضتهم حواجز ثابتة وطيارة: كانت القاعدة الأساسية في هذه العمليات أن المخطوف لا يعود إلا إذا خطف في مقابله 4 أو 5 أشخاص وأحيانًا 10.

كان أبرز الذين خطفوا في هذا اليوم القيادي الكتائبي وليم حاوي، الذي خطفته عناصر فلسطينية قرب معمله في جسر الباشا ونقلته إلى تل الزعتر، لكنهم صدموا عندما اكتشفوا من أوقفوا؟ فأطلقوا سراحه على الفور.

جنون الخطف والقتل في بيروت انتقل إلى طرابلس، التي شهدت شوارعها في النصف الأول من تشرين الأول اكتشاف 35 جثة.

تعليقًا على هذا الجنون،  اتهم حزب "الكتائب" في عدة بيانات جهة ثالثة بتغذية أعمال الخطف والخطف المضاد لإعادة التوتر، وكان يتم الرد على بيانات الكتائب بأن الأخير  يريد ابعاد التهمة عنه وعن حلفائه.

عاد شفيق الحوت ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت بعد سنوات. واتهم في برنامج "حرب لبنان" الذي بثته محطة "الجزيرة" الفضائية فريقًا ثالثًا بخرق اتفاقيات وقف إطلاق النار وأعمال الخطف والقتل التي كانت تحصل في بيروت والمناطق. وأكد أنه لا يبرّئ الموساد الإسرائيلي الذي كان متغلغلًا مع جميع الأطراف،  كما لا يبرئ  "كل من كان يريد تصفية منظمة التحرير الفلسطينية وليس بالضرورة الفريق الذي كان ضد المنظمة آنذاك وأعني حزب الكتائب اللبنانية وحلفاءه".

راحت الحرب الطائفية خاصة في الشمال تستعر بقوة، وبدأ الانقسام الطائفي يتوسّع بعدما راحت قوافل النازحين تنتقل إلى المناطق التي هي أكثرية فيها، وكأن لبنان انقسم نهائيًا.

كثيرة الروايات عما جرى في تلك الأيام من فواجع، ولكن تبقى قصة الأب جوزف خليل الكبوشي جديرة بأن تروى.

كان الأب جوزيف خليل في ديره فوصله، أن شقيقه الياس خطف وضاعت أخباره وأن شباب بلدته ميروبا الكسروانية أقاموا حاجزًا قرب نفق نهر الكلب وخطفوا قرابة 20 شابًا مسلمًا لمبادلتهم بشقيقه.

وصل إلى ميروبا والغضب على وجهه: "الآن تطلقون كل المخطوفين وتوصلوهم الى الأوتوستراد. لن يردوا الياس إذا لم نبادله بمخطوفين. إذا أراد الله أن يعيده فسيرجع. ما ذنب هؤلاء الأبرياء؟".

لم يهدأ حتى تأكد أن كل المخطوفين تركوا ميروبا، وانطلقوا إلى منازلهم. وضاعت أخبار الياس ورغم البحث لم يعثر له على أثر.

بعد أكثر من 10 أعوام كان الأب جوزيف خليل في الكويت وفي مناسبة اجتماعية ضمت مجموعة لبنانيين، تقدم منه أحد الموجودين، وقال له: "وجهك لا يمكن أن أنساه ولو أصبح عمري 100 سنة. لن تعرفني أنا كنت ضمن المخطوفين في ميروبا وأنت خلصتنا وأسمح لي بسؤال: عاد شقيقك؟"، فأجابه الأب خليل: "كلا ضاعت أخباره".