"يا علي سيكي لح لح"... بهذه العبارة أطلّ رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله، وفيق صفا، أمام صخرة الروشة، يحمل بيده كوب قهوة وبالأخرى سيجارة "الفاب"، محاطًا بمرافقيه وأنصاره، ضاحكًا ضحكةً توحي أنّه أمام "نصره الأكبر". لكن جلّ ما فعله أنّه أضاء الصخرة بصورٍ للأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصر الله.
من "رجل الظلّ" و"الشبح" و"رجل المهمات الصعبة"، ومن معرقل تحقيقات مرفأ بيروت 2020 ومهدّد القاضي طارق البيطار، إلى رجلٍ كلّ همّه إضاءة صخرة ببعض الرسوم... هكذا بدا صفا، رجلاً يحاول إعادة هيبة الحزب أمام اللبنانيين والعالم. لكن الواقع أظهره ضعيفًا، هزيلاً، عاجزًا عن القيام بأيّ شيء في ظل التحوّلات الكبرى، سوى الجلوس على كرسيّ أمام الروشة محاولًا استفزاز اللبنانيين.
أراد حزب الله أن يُخرج مشهد صفا وكأنه "نصر عظيم": تنفّس لرائحة الانتصارات القديمة بعد سلسلة خيبات، رفعًا لمعنويات أنصاره، واستعادةً لصورة الحزب القادر على العودة متى شاء، ورسالةً للبنانيين أنّ الحزب الذي أخافهم لعقود ما زال "يستطيع أن يفعل ما يريد".
في المقابل، سعى الحزب كعادته إلى مخاطبة بيئته بلغة القلب والعاطفة، جاعلًا من نفسه ضحيةً للعالم والدولة، مستدرجًا التعاطف والتضامن من كل محيطه: من حركة أمل وصولًا إلى الأحزاب القومية والعقائدية الحليفة.
لكن المضحك المبكي في المشهد كلّه، أنّ الحزب الذي وعد بتحرير القدس، أصبح سقف طموحه أن يضيء صخرة! الحزب الذي هدّد بضرب حيفا وما بعد حيفا، أصبح يكتفي بالاحتشاد أمام الروشة، والذي زعم أنّه سيطأ الجليل، صار همّه جولات موتوسيكلات في شوارع بيروت.
انحدار الخطاب بات واضحًا: من مواجهة "الشيطان الأكبر" وقلب موازين المنطقة، إلى تحدّي بلدية بيروت، من دورٍ إقليمي واسع، إلى إنارة صخرة. القضية الكبرى تهاوت، حتى انحصرت برفع صورة وبعض الإضاءات.
في المقابل، إنّ محاولاته لاستفزاز رئيس الحكومة نواف سلام، ومعه عدد من سنة بيروت ولبنان، مع استفزاز عدد من الناس من مختلف الطوائف في العاصمة باعتبار أنّ صخرة الروشة تمثل ما تمثله لكل هذه الشرائح، لن يكون إلّا حملة انتخابية ممتازة لكل ما كان يُعرف بالرابع عشر من آذار.
ثمّ إنّ تحدّي الدولة واستفزاز اللبنانيين بالطريقة التي حصلت، لن يجدي نفعًا للحزب، ولن يعيد صورته السابقة كالحزب الأقوى في المنطقة، ولن يمنحه أي دفع في مواجهته مع الخارج. بل على العكس، سيعود بالضرر على الحزب أولاً ثمّ على البيئة الشيعية. فالمشهد الذي ظهر به أمس أعطى انطباعًا للعالم بأنّ الدولة عاجزة عن القيام بأي خطوة جدّية في ملف السلاح، إذ عجزت حتى عن تنفيذ قرار إداري يقضي بمنع الحزب من إضاءة الصخرة، فكيف لها أن تتمكّن من خوض المواجهة الكبرى المتمثّلة بسحب السلاح؟
هذه النتيجة ستستغلّها إسرائيل أمام العالم والولايات المتحدة الأمريكية، لتخلص إلى أنّ الحكومة، رغم كل الكلام والقرارات الإيجابية الصادرة عنها، عاجزة عن سحب السلاح. وبناءً عليه، ستعتبر إسرائيل نفسها مضطرّة إلى خوض حرب جديدة على الحزب لإتمام هذه المهمة بنفسها.
والحرب الجديدة، إن وقعت، سيكون الشيعة أوّل المتضرّرين منها بطبيعة الحال. فبعد أن رمّموا جزءًا من بيوتهم وأعادوا زراعة قسم من أراضيهم، وهم أصلًا على أبواب موسم الزيتون في الجنوب والبقاع، لن يكون بمقدورهم تحمّل ضربة جديدة تهدّد استقرارهم. خصوصًا أنّ كثيرًا من المقوّمات التي كانت متوفّرة سابقًا لم تعد موجودة، بفعل خسارة الساحة السورية وانحسار الدعم المالي من إيران.
جعل الدولة عاجزة وضعيفة لن يمنح حزب الله أي قيمة إضافية، ولن يعيده إلى الصورة التي حاول طوال عقود ترسيخها في عقول اللبنانيين والعالم، ولن يعيد له دوره الإقليمي الممتدّ من اليمن إلى سوريا مرورًا بالعراق وسواها. بل على العكس، فإنّ المستفيد الوحيد سيكون إسرائيل، التي ستتسلّح بحجّة قوية للدخول مجددًا إلى لبنان، متجاوزة كل الاتفاقات القائمة معه، وبمباركة واضحة من الغرب والولايات المتحدة.
في الخلاصة، ما حدث عند صخرة الروشة يعكس مأزقًا عميقًا يمرّ به حزب الله. فالمشهد الذي أُريد له أن يكون استعراضًا للقوّة، كشف في جوهره تراجعًا في الدور والقدرة. إنّ رهان الحزب على صور ورموز داخلية لن يعيد له مكانته السابقة، لا في الوعي اللبناني ولا في المعادلات الإقليمية. وعلى العكس، فإن استمرار إضعاف الدولة سيضاعف من كلفة المواجهات المقبلة على الجميع، ويفتح المجال أمام تدخّلات خارجية قد لا يتمكّن لبنان من تحمّلها.