لا يُعتبر الاعتراف بدولة فلسطين خطوة جديدة، ولا يشكّل حدثًا ثوريًا غير مسبوق يؤدّي إلى آثار قانونية وسياسية جذرية ونهائية. فمنذ إعلان الاستقلال الفلسطيني في 15 تشرين الثاني بالجزائر، حظيت الدولة الفلسطينية باعتراف 78 دولة بحلول شباط 1989. يضاف إلى ذلك أن اتفاقية أوسلو، الموقعة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في أيلول 1993، أسّست للسلطة الفلسطينية كإدارة موقتة للحكم الذاتي في الأراضي الفلسطينية. كما أنّ السلطة الفلسطينية حازت صفة "دولة مراقب غير عضو" في الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ تشرين الثاني 2012، وتلت ذلك موجات عدّة من الاعتراف.
ففي العاشر من أيار 2024، أقرّت الجمعية العامة الاستثنائية للأمم المتحدة، بموجب قرارها الرقم ES-23/10، دعم طلب فلسطين للحصول على العضوية الكاملة في المنظمة. وقد صوّت لصالح القرار 143 عضوًا، في تأييد واسع للاعتراف الدولي بدولة فلسطين. وأُتيح بذلك للبعثة الفلسطينية الجلوس في قاعة الجمعية العامة بين الدول الأخرى وفق الترتيب الأبجدي، بدلًا من مقعدها السابق في الجزء الخلفي من القاعة. وقبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول 2025، كانت 148 دولة من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة قد اعترفت رسميًا بالدولة الفلسطينية. لكن هذا الاعتراف يبقى محدود المفاعيل، حتى ولو حظيت دولة فلسطين باعتراف 157 دولة من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة اعتبارًا من أيلول 2025، طالما أن الولايات المتحدة الأميركية تعارض هذا الاعتراف، وهي عضو دائم في مجلس الأمن، تتمتع بحق النقض (الفيتو).
وعليه يطرح السؤال حول التاريخ والسياق القانوني للاعتراف بدولة فلسطين قبل أن يتمّ البحث في الآثار القانونية والسياسية وفي التحدّيات الرئيسية لهذا الاعتراف.
الاعتراف الدولي بفلسطين: التاريخ والسياق
تُعَدّ هذه المسألة من أكثر القضايا إثارة للجدل في القانون الدولي والعلاقات الدولية المعاصرة. فمنذ إعلان الاستقلال الفلسطيني الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988، سعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى حشد الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية باعتباره خطوة جوهرية نحو ترسيخ الشخصية القانونية الدولية لفلسطين وتثبيت حقوق شعبها في تقرير المصير، ما يطرح تساؤلات عميقة حول الأبعاد القانونية والسياسية للاعترافات الدولية وتداعياتها على مسار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
الاعتراف بالدول في القانون الدولي
تزداد مسألة الاعتراف بالدولة تعقيدًا نظرًا لعدم وجود سلطة مُلزمة بالاعتراف ومعترف بها عالميًا في القانون الدولي؛ كما أن فقهاء القانون الدولي لم يحدّدوا بوضوح الفارق بين المنظور القانوني والمنظور السياسي لهذا الاعتراف. وبما أنه لا توجد سلطة دولية تتمتع بسلطة مُلزمة، يمكن القول – من الناحية النظرية البحتة – إنّ مفهوم الدولة ذاته ليس موضوعيًا. وبالتالي، يمكن لمجتمع يدّعي أنه دولة، أن يمنح هذا اللقب حسب مشيئته حتى لمدينة أو محافظة، كما أظهر العرف الدولي وكما أظهرت بعض الصفات المشتركة لدى المجتمعات شبه- الدولية. ومن هنا، بدأ القانون الدولي، وإن بتردّد في البداية، يتوصّل إلى تحديد ثلاث صفات رئيسية مشتركة لدى كياناته.
يكفي التركيز على العناصر المكوّنة للدولة لاكتشاف هذه السمات؛ إذ يجب أن تضمّ الدولة مجتمعًا يُدار عبر نظام قانوني مركزي يتمتع بسلطة إلزامية، وهذا النظام يستمدّ غالبًا من الدستور. فالدستور عادةً ينصّ على درجة معينة من مركزية القوة، وهذه المركزية تستلزم القدرة على الإكراه. كما نلحظ في الدول القائمة وجود سلطة قانونية فاعلة تُمارَس على إقليم محدَّد.
وأخيرًا، يتضمّن مفهوم الدولة عنصر الاستقلال؛ إذ لا يجوز أن تكون الدولة خاضعة لسيطرة مجتمع آخر أو لأي سلطة أخرى. وهذه السمة الأخيرة ليست مطلقة، إذ تظلّ الدولة خاضعة دومًا للمجتمع الدولي، مثل الأمم المتحدة، بقدر ما تملكه هذه الأخيرة من سلطة إلزامية قابلة للتنفيذ. ولكن بشكل عام، يمكن القول إن الاعتماد الوحيد المسموح به لمجتمع "دولتي" هو على القوانين الدولية، سواء العامة أو الخاصة. وقد أرست اتفاقية مونتيفيديو العناصر التأسيسية للدولة، مؤكدة أنّه لا يُعتد بها كشخص من أشخاص القانون الدولي إلّا إذا امتلكت العناصر التالية: (أ) سكان دائمون (الشعب / الشعوب)، (ب) إقليم محدد، (ج) حكومة فعّالة سيدة على إقليمها، (د) وأهلية للدخول في علاقات مع غيرها من الدول. ويلاحظ بهذا الصدد أن هذه العناصر المؤسسة للدولة لا تتوفر كلها حاليًا في دولة فلسطين المعترف بها، لا سيّما استقلال هذه الدولة وتحديد إقليمها وفرض سيادتها على هذا الإقليم الذي يبقى حتى الآن غير محدد المعالم وغير متفق عليه.
من يملك سلطة الاعتراف بالدولة؟
الاعتراف بالمعنى العام يعني: "عدم الاعتراض، والموافقة على قبول حقيقة أو ادعاء، أو تصنيف". ووفقًا للمصطلحات المعتمدة في القانون الدولي، يُعرّف الاعتراف بأنه "الفعل الذي تقوم به دولة، إذ تلاحظ وجود بعض الوقائع (دولة جديدة، حكومة، وضع معين، معاهدة، إلخ)، وتعلن أو تقر ضمنيًا بأنها تعتبرها عناصر تُبنى عليها علاقاتها القانونية، مع مراعاة الاعتبارات الصريحة أو الضمنية التي قد تتضمنها هذه الاعترافات "قاموس مصطلحات القانون الدولي" (Sirey 1960).
الاعتراف القانوني بالدولة
من غير المنطقي في القانون الخاص أن تحاول سلطة قائمة الاعتراف بشخص معنويّ إذا كانت أجزاؤه المكوّنة تنكر وجوده. وبما أنّه لا توجد سلطة دولية عليا مخوّلة، فإن الاعتراف بالدولة من منظور قانوني يجب أن يتمّ بواسطة الأشخاص الممثلين لهذا القانون، أي الدول نفسها. فعلى كل دولة أن تتحقق من وجود مكونات مفهوم الدولة في المجتمع المعني. وبذلك، يكون الاعتراف القانوني ذاتيًا بالدرجة الأولى، بمعنى أنّه يخصّ كلّ شخص من الأشخاص الذين يُشكّلون المجتمع الدولي، ويكون نسبيًا بالنسبة لكلّ منهم.
لذلك، من الناحية القانونية، سيكون من الخطأ القول إن الاعتراف بالدولة هو مجرّد فعل إعلاني؛ بل هو فعل تأسيسي للقانون، يُنشئ ويُثبّت قانونًا ونظريًا الوضع القانوني للدولة المعترف بها. وهو قد يؤدي إلى بعض الآثار والمفاعيل القانونية والسياسية المحدودة.
الآثار القانونية والسياسية والتحدّيات الرئيسية للاعتراف بدولة فلسطين
على الرغم من أنّ الدولة الفلسطينية المعترف بها لم تكتسب بعد العناصر القانونية التأسيسية لكيانها كشخص معنوي دولي، فإن الاعتراف بها قد يترتب عليه بعض الآثار القانونية والقضائية المحدودة والرمزية، ومن أهمها:
• تعزيز الوضع الدولي لفلسطين: قد يعزز الاعتراف بفلسطين كدولة الوضع السياسي للسلطة الفلسطينية كشخص مكتمل من أشخاص القانون الدولي، ما سيتيح لها المشاركة بشكل أكثر فاعلية في المنتديات الدولية وتعزيز قدراتها القضائية.
• الوصول إلى الهيئات القضائية الدولية: ليس للاعتراف الحاصل مؤخرًا أي تأثير إضافي، كون السلطة الفلسطينية قد تمكّنت سابقًا من اللجوء مباشرة إلى المحكمة الجنائية الدولية (ICC) في قضايا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وإلى محكمة العدل الدولية (ICJ) عبر دولة ثالثة (جنوب أفريقيا) بالادعاء بارتكاب جرائم إبادة في غزة.
• التصديق على المعاهدات: ستتمكّن السلطة الفلسطينية من التصديق على المعاهدات الدولية الثنائية، لا سيّما في مجال حقوق الإنسان، والمشاركة في اجتماعات المنظمات الدولية.
الآثار السياسية
• إحياء عملية السلام: يهدف الاعتراف بفلسطين إلى إحياء عملية السلام في الشرق الأوسط وتعزيز حلّ الدولتين، الذي يفترض تعايش دولة إسرائيل ودولة فلسطين، غير أنّ هذا الهدف يبقى بعيد المنال في ظلّ الظروف الراهنة وتعقيدات الوضعين السياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط.
• تعزيز الموقف الفلسطيني: يعزز الاعتراف بفلسطين موقفها على الساحة الدولية ويمنحها وضعًا أكثر فاعلية ونوعًا من المساواة المحدودة مقارنة بدولة إسرائيل.
• الضغط على إسرائيل: يعتقد البعض أنّ هذا الاعتراف قد يضغط على إسرائيل للتفاوض بشأن حل سلمي للنزاع، ويرى البعض الآخر أنه قد يؤدي إلى تشبّث أقوى وأشد عنفًا من قبل إسرائيل، التي تعتبره تهديدًا لوجودها واستمراريتها، خصوصًا وأن جزءًا كبيرًا من الشعب الفلسطيني وممثليه، لا سيّما منظمة حماس، لا يعترفون بدولة إسرائيل.
الآثار الأخرى
• العلاقات الدبلوماسية: يتيح الاعتراف تعميق العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين الدول المُعترفة وفلسطين.
ومع ذلك، ستبقى هذه النتائج القانونية والسياسية جد محدودة وتأثيرها شبه منعدم على الصعيدين الواقعي والعملاني.
دور مجلس الأمن وإمكانية فرض الاعتراف بدولة فلسطين
لذلك يطرح السؤال حول إمكانية أن يقوم مجلس الأمن بدور ما من أجل فرض الاعتراف بدولة فلسطين. يمكن لمجلس الأمن، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، اتخاذ قرارات ملزمة لجميع الدول الأعضاء، بما في ذلك إسرائيل، لكن أي قرار سيكون بحاجة إلى عدم استخدام حق النقض (الفيتو). وطالما أن الولايات المتحدة الأميركية غير موافقة على قيام دولة فلسطين، فإن الاعتراف بهذه الدولة سيبقى رسالة ميتة.
التحدّيات الجغرافية والقانونية
رغم اعتراف العديد من الدول بدولة فلسطين، تبقى هذه الخطوة ناقصة وغير ملزمة عمليًا، وستطرح على أرض الواقع العديد من الإشكاليات، أهمها:
• إشكالية الموقع الجغرافي لإقليم دولة فلسطين وحدوده غير المتفق عليها بعد مع إسرائيل، إذ ترفض الأخيرة رفضًا قاطعًا العودة إلى حدود 4 حزيران 1967، التي حُددت بموجب هدنة عام 1949 بين إسرائيل والدول العربية.
• مسألة إمكانية عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى دولة فلسطين أو بقائهم وتوطينهم في البلدان المضيفة، لا سيّما في لبنان والأردن، تمثل تحدّيًا كبيرًا.
• حتى في حالة منح حق العودة، فإن العودة الفعلية للفلسطينيين اللاجئين في لبنان تبقى صعبة ومعقدة، ما يخلق إشكالية كبيرة وشائكة، يقتضي معالجتها باكرًا، بدءًا بتجريد الفلسطينيين من أسلحتهم غير الشرعية، مرورًا بالدخول إلى المخيّمات، وإحصاء جميع المقيمين، ومعاينة أوضاعهم القانونية.
الخلاصة
الاعتراف بدولة فلسطين، رغم كونه انتصارًا رمزيًا للبعض وحدثًا تاريخيًا لا يزال بعيد المنال وشبه مستحيل طالما أنّ هذه الدولة ليست قائمة بعد، وطالما أنّ أمامها عقبات كبرى، أبرزها:
1. عدم الاعتراف بها من قبل إسرائيل والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية.
2. عدم الاتفاق على موقع الكيان الجغرافي وعناصر تكوينه وتاليًا عدم تحقق العناصر الأساسية للدولة وأهمها هذا الكيان واستقلاله وبسط سيادة الدولة عليه.
3. التحدّيات المتعلقة باللاجئين وحقوق العودة وتوطينهم في البلدان المضيفة.
وبالتالي، فإن تأثير الاعتراف الدولي على أرض الواقع يظل محدودًا، وسيظل هذا الاعتراف رمزيًا في غياب حلول عملية لهذه العقبات الجوهرية.
أستاذ ومدير أبحاث في القانون الدولي والقوانين الجنائية في كلية الحقوق والعلوم السياسية-جامعة ستراسبورغ
*مستشار في المحكمة الجنائية الدولية (لاهاي)
*محام عام أسبق في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان (لاهاي)
*محام بالاستئناف في نقابة المحامين - بيروت