القليعة – نداء الوطن
شدد غبطة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي خلال ترأسه قداسا احتفالياً في بلدة القليعة على ضرورة احلال السلام وقال: "نتمنى السلام القريب، سلاما يترسخ بانسحاب اسرائيل من الجنوب بشكل كامل ونهائي وبسط الدولة اللبنانية سيادتها بشكل كامل على كافة اراضيها. وهنا لا بد ان نؤكّد ان الجيش اللبناني بعنفوانه وهيبته هو الضمانة والحصانة الوحيدة لارضنا ولشعبنا، وهو المؤتمن على حماية حدودنا والدفاع عن كرامتنا, فان انتشار الجيش على كامل ارض الجنوب ليس فقط مطلبا بل هو حق سيادي وواجب وطني.
الجنوب ليس مجرد منطقة من لبنان بل هو قلبه النابض فما يعيشه الجنوب يعيشه كل لبنان معاناة اهله من الحروب وخساراتهم للارواح والبيوت والارزاق ونزيف الهجرة, كلها تعكس ازمة وطن باسره. فان صمود الجنوبيين هو صمود لبنان كله وتضحياتهم هي تضحيات باسم الامّة اللبنانية كلها. لقد حان الوقت ان تتحول تضحياتكم الى ثمار وطنية, سياسيّة واقتصاديّة وانمائيّة. فلبنان لا يمكن ان يبنى من دون انصاف له ولاهله ومن دون ان يعطى بابنائه ما يحفظ بقائه في اراضيهم ويؤمن لهم العيش بعيدا عن خطر الهجرة او بيع الاملاك. فلا اوطان من دون ارض ولا ارض من دون اهلها. ان بقاء الجنوب قويّا ومحصّنا هو ضمانة لبقاء لبنان وان تعزيز صمود اهله هو واجب وطني واخلاقي. فان مسؤوليتنا جميعا مواطنين ومسؤولين وسياسيين ومؤسّسات ان نتكاتف من اجل اعادة بناء لبنان على اسس متينة وعلى السلام. سلاما نابعا من العدالة والسيادة والكرامة.
كلام البطريرك جاء خلال زيارته للجنوب حيث كانت بلدة القليعة محطته الرعوية الاخيرة للمنطقة كانت في كنيسة القديس جاورجيوس للطائفة المارونية في بلدة القليعة حيث اقيم له استقبال حاشد تقدمه خادم الرعية الخوري بيار الراعي، ونائبه الخوري انطونيوس فرح، رئيس البلدية حنا ادمون ضاهر محافظ النبطية الدكتورة هويدا الترك. وحشد من اهالي البلدة والقرى المجاورة".
وبالمناسبة، أقيم قداس احتفالي في كنيسة البلدة ترأسه البطريرك الراعي وعاونه فيه المطران شربل عبدالله وبداية القى كلمة الخوري بيار الراعي جاء فيها: "بفرحٍ كبيرٍ وقلوبٍ مُفعمة بالرجاءْ، نستقبلُكم اليومَ يا صاحبَ الغبطة في رعيّة مار جرجس – القليعة، هذه البلدة الَتي عُرِفَت عبرَ تاريخِها بالصُّمودِ في وجهِ المِحَنْ، والثباتِ على الإيمانْ، والتجذّرٍ في الأرض، بالرُّغمِ مِن كلِّ الصّعوباتِ والتحدِّياتْ.
إنَّها لَنِعمةٌ عظيمة أنْ تَطأ أقدامُكُم المُبارَكة أرضَ القليعة، هذا الجُزءَ العزيزَ منَ الجَنوب الّذي ما انفكّ يُعطي الكنيسةَ والوطنَ شُهودًا للرَّجاءْ، ورجالاً ونساءً مُناضلينَ ومُناضِلاتٍ في سبيلِ البقاءْ، وحُرّاسًا للإيمانِ والكرامة.
إنَّ زيارَتَكُمُ اليومَ ليسَتْ رعَويَّة فَحَسْب، بل هي أيضًا رسالةُ مَحبّة وشَرِكة، ورسالةُ دَعْم ٍواحتضانْ، تَحمِلونَ فيها مَعَنا وجعَ النّاسِ، وضيقَ العائِلات، وتَعَب السّنواتِ العِجافْ. ونحنُ نَعلمُ تمامًا أنَّكُم الصَّوتُ الصَّارخ في وجهِ الظلم، والمدافِعُ عن كرامَةِ الإنسانِ وحُقوقِه.
وفي هذه ِالمُناسَبَة، لا يَسَعُني إلاّ أنْ أعبِّرَ عن امتنانِنا العَميق وشُكرِنا الجزيل على كُلِّ المُساعَدات التي وَصَلت إلى أهلِنا في القليعة ببَرَكة غِبطتِكم، وبِسَعْيٍ دؤوب مِن سيادةِ المطران شربل عبدالله راعي الأبرشية، وهي لم تَكُن مُساعدات ماديّة وعينيّة فقط، بل كانَت دليلًا على أنَّ الكنيسة هي أمٌّ وأبٌ حقيقي لكلِّ أبنائِها، تُرافِقُهم في أزمِنَتِهم الصَّعبة، وتَقفُ إلى جانِبِهم بِوجْهِ الفَقْرِ والتَّهميش. لقد تَعلّمَ أبناءُ القليعة كما تعَوّدوا أنْ يَثبُتوا في أرضِهِمْ، وأنْ لا يَهجُرُوا تاريخَهُم، وأنْ لا يُفرِّطوا بِجُذورِهِم، بفضلِ إيمانِهِمْ وتَضحِياتِهِم، وبفضلِ دَعْمِ كنيَستِهِم لَهُم، روحًا وجَسَدًا في آنٍ معًا".
وختاما كانت كلمة لرئيس البلدية حنا ضاهر قال فيها: "أقف اليوم أمامكم بفرح كبير، لأرحّب بكم في بلدتكم القليعة، وهذه هي الزيارة الثالثة التي نتشرّف بها. نُرحّب بكم اليوم مجدّدًا، لا كضيفٍ كريمٍ فقط، بل كأبٍ يحمل هموم رعيّته، ويزور أبناءه في أوقات الشدّة".
اضاف "القليعة، هذه البلدة الصامدة المتجذّرة في إيمانها، والواثقة برسالتها، كانت وما زالت قلعة من قلاع الوجود المسيحي في جنوب لبنان. زيارتكم اليوم تبارك هذه الأرض التي عاشت الألم، كما عاشت الرجاء. ففي السنتين الأخيرتين، ومع تصاعد الحرب على حدودنا، كانت القليعة وأهلها في قلب المعاناة، تحت القصف والخطر، وسط الحصار والخوف، ولكنهم لم يستسلموا. تحمّل أهل القليعة الألم بصمتٍ وكبرياء، وتمسّكوا بأرضهم وكنيستهم وتاريخهم. لم تُغلق أبوابهم، ولم تُطفأ قناديل إيمانهم، فكانوا شهودًا حقيقيين للرجاء الحيّ، وصرخةً بوجه كل من يريد اقتلاع هذا الوجود".
وختم "ما يزيد من جراحنا، أنّ هناك أبناءً من القليعة ما زالوا مبعدين عن أرضهم منذ سنين، محرومين من حقّ العودة، ممنوعين من أن يعيشوا في بيوتهم، أو يدفنوا موتاهم في تراب آبائهم. لقد آن الأوان لإنهاء معاناتهم، ومعاناتنا معهم. فالكرامة لا تتجزأ، والحق لا يُمحى، وبلدتنا لا تكتمل إلا بعودتهم".