أكّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم الجمعة الماضي، "عزمه استهداف الميليشيات الإيرانية في العراق"، وهذا أمر طبيعي في سياق الحرب التي أطلقها يحيى السنوار في السابع من تشرين الأول 2023. غير أن التحدّي الأساسي أمام بغداد يكمن في إبعاد شبح هذه الحرب عنها. فهل ستنجح في ذلك؟ والسؤال الأدق: هل تستطيع إقناع الميليشيات الإيرانية بالتخلّي طوعًا عن سلاحها، وفي حال لم تفعل، هل باستطاعتها نزعه بالقوّة؟
ما هو غير معروف بدقة بعد يتمحور حول المواقف الرسمية العراقية التي تصدر بين الحين والآخر، وتشدّد على النأي بالعراق عن الحروب الدائرة، وعلى أن الأولوية هي للعراق أولًا، وأن مساندة الشعب الفلسطيني لا تكون بتوريط العراقيين بالحرب، بل بمساعدتهم ماليًا ودبلوماسيًا. فهل تنمّ هذه المواقف عن حرص رسميّ جديّ، أم أنها مجرّد جزء من توزيع أدوار بين بغداد وطهران بهدف تحييد العراق عن مسارح الحروب؟
1) ما هو ثابت وأكيد أن امتناع الميليشيات الإيرانية في العراق عن الانخراط في الحرب هو قرار إيراني بامتياز، وليس نتيجة قوة "السيستم" العراقي على لجم هذه الميليشيات. والسؤال الذي كان يتردّد باستمرار، بدءًا بأحداث السابع من أكتوبر، تمحور حول التالي: لماذا حيّدت إيران العراق عن الحرب؟ وقد تبيّن أن الخلفية ثلاثية: حاجة إيران إلى العراق كرأس حربة مالية لمحورها، وكمساحة آمنة نسبيًا لميليشياتها، ولإبعاد الخطر عن حدودها.
2) ما هو ثابت وأكيد، انطلاقًا من المتابعة الموضوعية لمسار الأحداث منذ اندلاع حرب الطوفان، أن هذه الحرب لن تنتهي قبل أن يتخلّص نتنياهو من قدرات محور الممانعة، وما لم يتخلّص منها بصورة نهائية، فإنه سيُبقي سيف الحرب مصلتًا على هذا المحور لإبقائه دائمًا على خط الدفاع وردّ الفعل واحتساب الخسائر، كما هو الحال مع "حماس" و "حزب اللّه".
3) ما هو ثابت وأكيد أنه لو لم يُقدِم السنوار على الحرب، لكانت المنطقة ما زالت خاضعة لستاتيكو "قواعد الاشتباك" في غزة ولبنان وسوريا وإيران. فإسرائيل لم تكن في وارد المبادرة إلى حرب سوى في مواجهة الخطر النووي الإيراني، لأنها كانت تعتبر أن سياسة قواعد الاشتباك مع الثلاثي الأسد و "الحزب" والحركة حقّقت هدفها الأول المتمثّل بالأمن والاستقرار. لكن مع انهيار هذه السياسة، التي أخطأت فيها إسرائيل بعدما سمحت لأعدائها ببناء ترسانات تشكل خطرًا عليها، انتقلت إلى المبادرة العسكرية، وستبقى على هذا المنوال حتى تتأكد من زوال الخطر نهائيًا.
4) ما هو ثابت وأكيد أن تل أبيب لن تسمح بأي دور لأذرع إيران داخل كيانها وعلى حدودها. وهذا يعني أنها انتقلت من سياسة "قواعد الاشتباك" إلى سياسة "قواعد السلام أو الهدنة" مع الدول، لا مع المنظمات والتنظيمات. وهذا ما يؤكّد أن الدولة اللبنانية ما لم تحتكر السلاح، فإن السيطرة العسكرية الإسرائيلية على لبنان، التي كرّسها "الحزب" في اتفاقية 27 تشرين الثاني 2024، ستتواصل فصولًا.
5) ما هو ثابت وأكيد أن العراق لن يبقى استثناءً في هذه الحرب. فمحاولته تحييد نفسه لا تعني أن إسرائيل ستستثنيه. وما ينطبق على لبنان في مسألة تفكيك البنية العسكرية لـ "حزب الله"، سينسحب على العراق أيضًا، الذي ستطالبه تل أبيب بالوقت المناسب بتفكيك بنية الميليشيات الإيرانية العسكرية، وإذا لم يتمكّن من ذلك، فلن يبقى بمنأى عن الحرب كونها ستتولّى تدميرها بنفسها.
من الواضح أن بغداد لا تملك قرار تحريك الميليشيات الإيرانية، لأن قرارها بيد طهران لا بغداد، لكنها تملك فرصة لحوار جدّي مع إيران على قاعدة الخيار التالي: طهران مدعوّة إلى أن تختار بين خسارة كلية وخسارة جزئية. فهي تخطئ إذا اعتقدت أنها في وضعية win win في العراق، خصوصًا أن أي متابعة للأحداث والمواقف والتطوّرات تفيد بأن تحييد العراق عن حرب الطوفان لم يعد ممكنًا، وبأن دوره آتٍ بعد أن يتفرّغ نتنياهو له. وبالتالي، تجنيب العراق الحرب يستدعي إنهاء سلاح الميليشيات الإيرانية عبر خيارين:
الخيار الأول الخسارة الكلية عبر الحرب، ونتيجته ستكون إخراج إيران من العراق كما كان الحال قبل إسقاط الرئيس صدام حسين في العام 2003، بما يعني الإطباق عليها جغرافيًا تمهيدًا لإسقاط نظامها من الداخل، خصوصًا أن العراق يمثّل محفظتها المالية ومنصّتها الاقتصادية، وبدونه سيتأثّر الداخل الإيراني بشدّة.
الخيار الثاني الخسارة الجزئيّة عبر حلّ الميليشيات، بما يحول دون الحرب، فتكون بذلك إيران قد خسرت ذراعها العسكرية، لكنها حافظت على أذرعها المالية وعمقها الجغرافي، وأبعدت عنها الحصار المباشر.
أيّ خيار ستختار إيران؟ الخيار الأول الذي ستنزلق إليه تلقائيًا في سياق سياسة التذاكي والمناورة والرهان على كسب الوقت لتجنيب قاعدتها العسكرية والمالية في العراق الحرب، لكن هذه السياسة لم تعد تنفع، وعلى العراق أن يجمع قواه، ويحسم أمره، لتفادي حرب حتمية ما لم يبادر إلى إلغاء قانون 2016 الذي اعتبر "الحشد الشعبي" جزءًا من القوات المسلّحة العراقية، والعمل على تفكيك بنى الميليشيات الإيرانية كافة.