الدكتور سايد حرقص

من ساحة إلى خندق: تحوّل النظرة الإيرانية إلى لبنان

4 دقائق للقراءة

لم يكن لبنان يومًا بلدًا عاديًا على هامش الصراعات الكبرى، بل شكّل منذ استقلاله عام 1943 مختبرًا مفتوحًا للتجاذبات الإقليمية والدولية. ومع انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، تغيّر موقع لبنان جذريًا في الحسابات الإيرانية، إذ رأت فيه طهران ركيزة أساسية في مشروعها العابر للحدود. وقد عبّر الراحل حسن نصرالله في الثمانينيات عن هذه الرؤية بوضوح حين اعتبر لبنان جزءًا من “الدولة الإسلامية الكبرى” التي يرعاها “صاحب الزمان” ويمثلها الإمام الخميني.

من هنا لم يكن تأسيس حزب الله مجرد مبادرة محلية، بل خطوة استراتيجية إيرانية هدفت إلى تحويل لبنان إلى ساحة اختبار لأدوات القوة العسكرية والأمنية والسياسية. وبنجاح التجربة اللبنانية، انتقلت طهران إلى تعميم النموذج في العراق واليمن وسوريا، ضمن ما أصبح يُعرف بـ“محور الممانعة”.

غير أنّ التطورات الأخيرة، بدءًا من حرب غزة وامتدادها إلى لبنان واليمن وإيران نفسها، دفعت طهران إلى إعادة صياغة موقع لبنان في استراتيجيتها. لم يعد البلد “ساحة” للتجارب، بل بات “خندقًا متقدمًا” على حد توصيف علي لاريجاني: أي خط مواجهة مباشر مع إسرائيل لحماية العمق الإيراني من نيران الصراع.

هذا التحوّل يحمل معانٍ عميقة. فالساحة فضاءٌ تتعدد فيه القوى وتتفاعل فيه الأدوار، وتبقى هوية البلد قائمة ولو مخترقة. أما الخندق فهو موقع قتالي بحت، يعني انخراطًا كليًا وارتهانًا كاملًا لمشروع خارجي، بحيث يتحوّل البلد إلى جزء من آلة حرب مستمرة، مفتقدًا استقلاله وخصوصيته.

تصريحات لاريجاني تكشف أنّ لبنان لم يعد يُنظر إليه كدولة قائمة بذاتها، بل كأداة وظيفتها الدفاع عن النظام الإسلامي في إيران. وهذا التصور ينطوي على مخاطر وجودية للبنان، أبرزها:

1. تذويب الهوية الوطنية: حين يصبح البلد خندقًا، يُختزل تعريفه في وظيفة عسكرية، ويذوب تنوّعه التاريخي والسياسي في مشروع قتال دائم.

2. تعطيل فكرة الدولة: الدولة بطبيعتها تُنظّم التعدد وتضبط النزاعات، بينما الخندق يقوم على الاصطفاف الأحادي. وهذا ما يفسر الإصرار على تحدي سلطة الدولة وكسر هيبتها، كما حصل على صخرة الروشة.

3. إغراق المجتمع في منطق الحرب: الشعب يُختزل إلى “سكان خندق”، أي وقود لصراع لا يملك قراره ولا يحدد مساره.

إيران لا ترى في لبنان وطنًا بتاريخه وتعدديته، بل قطعة جغرافية ضمن “محور الممانعة”. فوظيفته، في هذا المنظور، ليست بناء دولة مزدهرة، بل توفير خط دفاع عن طهران وأداة ضغط على الخصوم الإقليميين والدوليين. وهكذا تتقدّم الوظيفة العسكرية على الكيان السياسي والاجتماعي للبنان.

قد يمنح هذا الدور شعورًا لحزب الله وبيئته بأنهم في موقع قوة، لكنه في الواقع فخ استراتيجي. إذ سيستخدم هؤلاء كوقود في الصراع او كورقة في المفاوضات ويحرم لبنان من دوره التقليدي كجسر تواصل بين الشرق والغرب، ويحوّله إلى مسرح دائم للانفجارات الأمنية، ويجعل اللبنانيين رهائن لمعادلات إقليمية لا يملكون التأثير فيها.

إن تحوّل لبنان من “ساحة” إلى “خندق” في الرؤية الإيرانية يكشف بوضوح جوهر مشروع لا يعترف بالدول اللبنانية، بل يحوّلها إلى خنادق عسكرية وخطوط أمامية في حرب استنزاف بلا نهاية. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يقبل اللبنانيون أن يكون وطنهم مجرد خندق في صراعات الآخرين؟ أم يريدون استعادته كدولة قوية، حرة، مزدهرة، تعلو فوق مشاريع المحاور الإقليمية وأوهام الإمبراطوريات؟

منذ إعلان دولة لبنان الكبير، ظلّ قسم من اللبنانيين يشكّك في نهائية هذا الكيان. وعلى مدى قرن كامل، كان لبنان يتصدّع كلّما هبّت عواصف موجة سياسية في الشرق، من الناصرية إلى الخمينية. واليوم، يبدو الدرس أوضح من أي وقت مضى: إذا لم يؤمن اللبنانيون جميعًا بنهائية وطنهم، ويوحّدهم شعور وطني جامع يقوم على حقيقة أنهم لبنانيون قبل أي انتماء آخر، فإن لبنان سيبقى ساحة لصراعات الآخرين، ينتقل من هزّة إلى زلزال، فيما تبقى فاتورة الدم والدمار والحصار مرسلة إلى الشعب اللبناني وحده.