صالح المشنوق

إضاءة نواف سلام

4 دقائق للقراءة

رجل الدولة (مع التحفظ على ذكوريّة التعبير).

كثيرًا ما سمعنا عن هذا المفهوم، وكأنه ظاهرة منذ زمن عابر. قيل لنا إنّه في لبنان "الزمن الجميل" كان هناك رجال دولة، مع أن النوستالجيا بطبيعتها تحمل الكثير من المبالغات والتصحيح بمفعول رجعي. في العقد الأخير، تعرّفنا إلى الكثير من الظواهر السياسيّة، منها السلبي ومنها الإيجابي. قادة ميليشيا وتجار سياسة من جهة، صنعوا مرحلة تحالف المافيا والميليشيا. ومن جهة أخرى قيادات سياسية سيادية وإصلاحية، خاضت المعارك من خارج دوائر القرار السياسي بوجه ذاك العقد الجهنمي. لكنها المرّة الأولى (مع استثناء الدقائق العشر لخطاب القسم) نشعر حقًا أن هناك داخل المؤسسات الدستورية، وعلى مستوى القرار المباشر، رجل دولة اسمه نوّاف سلام. ليس ذلك بمعرض تمجيد الشخص، فلا هو من محبّي ذلك ولا طبيعة المشروع تحتمل ذلك، وإنما من باب الإدراك بأن للمشروع السياسي السيادي الإصلاحي عنوانًا يمكن الاتكال عليه، وواجب الاستثمار فيه. بهذا المعني، ما تمت إضاءته في الأسبوع المنصرم ليس صخرة الروشة (بحكم النوعيّة البائسة لليزر المستعمل) بل شخص رئيس الحكومة، تحديدًا كعنوان للمضي قدمًا بفكرة السعي إلى دولة صلبة وحديثة.

يخوض نواف سلام أهم معاركه ليس مع الميليشيا التي لم تعد بحدّ ذاتها قادرة على إعاقة قيام هكذا دولة، بل مع رواسب أربعة وثلاثين عامًا من العفن السياسي المتحكّم بعقليّة الدولة. وقد بدا ذلك العفن بكامل تجليّاته في أحداث صخرة الروشة، وتحديدًا في سلوك المسؤولين المباشرين عن بسط سلطة وهيبة الدولة في الموقع المذكور. ففيما طلب نواف السلام بكل بساطة وتجرّد تطبيق القانون على جميع المواطنين سواسية، من دون تمييز أو تفضيل، انبرى مسؤولون آخرون باستعمال المنطق والتعابير التي أوصلت لبنان إلى الدرك الذي وصل إليه: "منع الفتنة" و"الحفاظ على السلم الأهلي". وهذان التعبيران جزء أساسي من تعابير "الشرطة الفكرية" الأورويلية (نسبة إلى كتاب جورة أورويل الشهير 1984) والتي تستعمل في غير مكانها لضمان بقاء سيطرة الميليشيا وملحقاتها على الفضاء العام. وطبعًا لا تكتمل الصورة الأورويلية من دون الحديث عن قائد ملهم وشعب عاشق له وبطبيعة الحال، لجيشه. يكفي مقارنة بيان سلام عن صخرة الروشة ببيان وزير الدفاع عن الحدث نفسه، لتبيان الفارق بين منطق الدولة ومنطق اللادولة.

قد تكون مشكلة نواف سلام - لسخرية القدر - إكثاره من الانغماس بمنطق الدولة الحديثة، قبل أن تكون الظروف الموضوعية قد اكتملت للتعامل مع المسألة على هذا الأساس. بعقله وبحكم تجربته، فإن الضباط ضباط الدولة، والقضاة قضاة الدولة، لذا لا حاجة له لضمان حصّة شخصيّة في "الدولة العميقة". لم يطالب بضباط من "حصّته"، ولا حتى لأسباب متعلّقة بحسن سير النظام العام. ربما لم يرد أن يعترف بأن العفن الذي أصاب الدولة عميق إلى درجة لا تسمح بالتعامل مع المؤسسات بمنطق ما بعد الحداثة. صحيح أن هذا يضعف قدرته على تحديد مسار الأمور في الوقت الحالي. تستحضرنا الواقعة التاريخيّة في اجتماعات يالطا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أثار رئيس الوزراء البريطاني ونستن شرشل أمام الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين اعتراضات بابا الفاتيكان فأجابه ستالين: البابا! وكم فرقة عسكرية لديه البابا؟ لا حاجة إلى التذكير هنا بأن الإمبراطورية السوفياتية انهارت إلى غير رجعة (ولو بعد حين)، جزئيًا على خلفية جهود قامت بها الكنيسة الكاثوليكية (التي تزداد حضورًا). قوة الشرعية، في نهاية المطاف، تتفوّق دائمًا على شرعية القوة.

يأخذ البعض على نواف سلام أنه لا ينتمي إلى نادي السياسيين التقليديين اللبنانيين، وكأن في ذلك عيبًا. الحقيقة عكس ذلك تمامًا: هذا النادي، وثقافته، وأدبياته، وسلوكياته هو ما أوصلنا إلى ما وصلنا إليه. ميزة نواف سلام، بل علّة وجوده، أنه ولو عاشر أركان النادي سنوات طويلة، لا يسعى للانضمام إليه. بل يطرح نفسه نقيضًا موضوعيًا لكل هذه التجربة ومخلّفاتها. ولهذا السبب تحديدًا، نرى فيه عنوانًا لمعركة الدولة، بكل تجلياتها. عرفنا ذلك منذ اليوم الأول (شهادتي الشخصية مجروحة على كل حال)، ولكن الامتحان (كما يقول المثل) كرّمه إلى درجة "التضواية"، رجل دولة من الطراز الأول الرفيع، بشجاعته حد المغامرة، وثباته حدّ العناد. لذا إليك منا يا دولة الرئيس وسام المسؤولية الوطنية، من رتبة القيام بواجباتك البديهية.

و"عقبال العايزين".