من السهل على "حزب اللّه" أن يستقوي على السلطة في ذكرى قادته الذين عجز عن حمايتهم وحماية لبنان من إسرائيل. لكن من الصعب أن يضع نقطة في نهاية السطر بالنسبة إلى "غزوة" الروشة. والأصعب هو أن يتصرّف كأن الظروف صارت مناسبة للعودة إلى ما كان وكتابة سطر جديد في تاريخ لبنان والمنطقة. وليس إصرار الشيخ نعيم قاسم على تكرار القول إن "الحزب" لن يسلّم سلاحه وإنه صار جاهزًا لمواجهة العدو سوى إشارة إلى مواجهة مع الدولة، لا مع إسرائيل التي تضرب من دون ردّ منذ الخريف الماضي. مواجهة لفرض التراجع عن قرار سحب السلاح، والإيحاء أن قرار الحرب والسلم لا يزال في يد "المقاومة الإسلامية" التي يقرّر عنها الولي الفقيه. وليت إسرائيل هي بالفعل "أوهى من خيوط العنكبوت" كما كان يراها السيد حسن نصراللّه. وليت سلاح "المقاومة الإسلامية" قادر على ردع العدوّ وحماية الأرض والشعب.
ذلك أن المواجهة بين السلطة و "حزب اللّه" على حصرية السلاح ليست بين طرفين قويين، ولا بين طرف قوي وآخر ضعيف بل بين طرفين ضعيفين عاجزين عن التفاهم وخائفين من الصدام. فما تقاس به قوة أي طرف منذ صار الوطن "ساحة" هو الاقتدار بالنسبة إلى مواجهة إسرائيل عسكريًا أو بالنسبة إلى ضمان ما تفرضه السياسة بالدبلوماسية. وما سمّي "فائض القوة" هو ما مارسه "حزب اللّه" في الداخل. وحين أخذته سياسة "فائض القوة" إلى المشاركة في حرب سوريا دفاعًا عن النظام ثم إلى بدء "حرب الإسناد" لغزة، فإن النتيجة كانت خسارة سوريا بسقوط الأسد وخسارة دور السلاح في لبنان بقوّة الضربات الإسرائيلية.
أمّا "المواجهة الكربلائية" التي يلوّح بها الشيخ نعيم مع ما فيها من حمولات تاريخية، فإن الخشية هي من أن تدفع اللعبة إلى خيار شمشون: عليّ وعلى أعدائي يا رب"، ولكن عليّ وعلى اللبنانيين هنا. وأمّا "فائض القوة"، فإن ممارسته اليوم تكاد تقتصر على الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدعم من سيد البيت الأبيض. نتنياهو استغلّ عملية "طوفان الأقصى" التي زلزلت إسرائيل ليمارس "فائض القوة" في حرب غزة وحرب لبنان ثمّ في سوريا وصنعاء وتهديد الحشد الشعبي في العراق إذا قام بأي تحرّك. وترامب جعل استخدام "فائض القوة" أسلوبه السياسي في ممارسة حرب تجارية عبر الرسوم الجمركية مع الحلفاء قبل الخصوم وتهديدات بحرب فعلية من أجل الحصول على طلبات غير عادية من دول عدّة.
في الخمسينات من القرن الماضي، شاع على ألسنة كتاب أميركيين تعبير "غطرسة القوة" لوصف سياسات بلادهم في بلدان آسيا بشكل خاص. وهي سياسات قادت إلى هزائم وانسحابات ذليلة من فيتنام وأفغانستان والعراق على الرغم من التفوّق العسكري الأميركي، كما إلى كراهية لأميركا في بلدان عدّة. واليوم يجدّد ترامب "غطرسة القوة" ويقف وراءه وأحيانًا أمامه نتنياهو. أما "حزب اللّه" الذي مارس على اللبنانيين حتى الأمس القريب "غطرسة القوة"، فإنه يلجأ في هذه الأيام إلى ما يمكن أن تسمّى غطرسة الضعف. وليس أسوأ من غطرسة القوة سوى غطرسة الضعف التي هي محاولة لإنكار الضعف والهزيمة وإعلان القوة والنصر. وعلى من؟ لا على أقوياء بل على ضعفاء.
وليس خارج المألوف أن يقول المرشد الأعلى علي خامنئي إن "حزب اللّه ثروة كبيرة للبنان وغير لبنان، ولا ينبغي الاستهانة به". فالقرار في الجمهورية الإسلامية بعد الحرب على إيران وأذرعها هو إعلان الاقتدار. والسبب هو تغطية الضعف والحذر من الصدام في حرب لم تكتمل بعد. وليس على لبنان سوى التمسّك بثروته الحقيقية التي خسر الكثير منها بسبب "تجنيده" في حرب دائمة تلائم المشروع الإيراني.
وقديمًا قال سن تزو:"المحاربون المنتصرون يربحون الحرب أولًا ثم يذهبون إلى المعارك، والمحاربون المهزومون يذهبون إلى الحرب ثمّ يبحثون عن الربح".