لم تكن الذكرى السنوية الأولى لاغتيال السيد حسن نصر الله حدثًا عابرًا في وعي جمهور "حزب الله". مما رفع مستوى التوقعات على منصات التواصل الاجتماعي إلى حدود أقرب للخيال؛ فالجميع انتظر "ردًّا مزلزلًا" يُعيد تثبيت صورة "حزب الله" كقوة رادعة قادرة على مفاجأة إسرائيل وإعادة رسم قواعد الاشتباك.
ما انبثق عن تلك التوقعات لم يتجاوز عرضًا ضوئيًا رمزيًا قرب صخرة الروشة، تحوّل سريعًا إلى مادة سخرية في أوساط واسعة تحت شعار "فأرة الليزر". وأعاد هذا المشهد إلى الأذهان قصة حرق المسجد الأقصى في آب 1969 على يد متطرف صهيوني قَدِم من أستراليا. عندها قالت رئيسة وزراء العدو يومها جولدا مائير: "لم أنم ليلتها وأنا أتخيّل العرب سيدخلون إسرائيل أفواجًا من كل صوب، لكن عندما طلع الصباح ولم يحدث شيء أدركت أن باستطاعتنا فعل ما نشاء ....".
هذا التباين بين الخطاب الناري والواقع الباهت لم يولّد مجرد خيبة شعبية؛ بل كشف عن مأزق استراتيجي أعمق يواجه "حزب الله" اليوم.
الفشل في تقديم ردّ يتناسب مع حجم الاغتيال أو في وقف مسلسل الاغتيالات لم يكن مجرد إخفاق تكتيكي عابر. إنه دليل على تقلّص هامش المناورة وتبدُّل الأولويات. الحزب، الذي روَّج الشيخ نعيم قاسم لعودته العسكرية "متعافيًا جهاديًا"، ظلّ عاجزًا عن تقديم أكثر من رمزية هشَّة لا تُغيّر من المعادلة شيئًا.
وللتعمية على هذا الإخفاق الاستراتيجي، شنّ "حزب الله" هجومًا سياسيًا وإعلاميًا على رئيس الحكومة نواف سلام. هذه الخطوة ليست عشوائية؛ بل تكشف تحوُّلًا في الاستراتيجية من مواجهة العدو إلى صراع داخلي على السلطة، ومحاولة عرقلة أي مشروع حكومي لاستعادة سلطة الدولة، بدءًا بملف نزع السلاح.
وهنا يكمن السؤال الجوهري: إذا كان "حزب الله" عاجزًا عن مواجهة عسكرية مزلزلة لإسرائيل، فلماذا الإصرار على الاحتفاظ بترسانة سلاح خارجة عن سلطة الدولة، قد تعرض لبنان لخطر حرب مدمِّرة؟ التبريرات التقليدية لم تعد تُقنع. تصريحات لاريجاني الأخيرة، التي وصفت لبنان بـ"الخندق العميق" في محور الممانعة، تؤكِّد ما كان يُشتبه به: أن أولوية هذا السلاح ليست الدفاع عن الأرض بقدر ما هي حماية المصالح الإقليمية لإيران وترسيم نفوذها.
الخلاصة المُرّة: أولوية الحزب باتت حماية موقعه وسلاحه داخل لبنان مهما كلَّف الأمر، حتى لو كان الثمن إضعاف الدولة وتكبيل قراراتها، وتحويل البلد إلى مخزن ذخيرة وخندق متقدِّم يخدم أجندات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية اللبنانية.
المسافة بين صورة "المقاومة" التي روّجتها الدعاية الرسمية للحزب على مدار أربعين عامًا وواقعه اليوم كمجموعة مسلحة أسيرة حسابات السلطة والرهانات الإقليمية تتسع. ما جرى قرب الروشة ليس تحديًا تكتيكيًا لقرار رئيس الحكومة فحسب؛ بل مؤشر بنيوي على تآكل الهوية الاستراتيجية للحزب. والنتيجة هي أن اللبنانيين وحدهم دفعوا وسيدفعون فاتورة هذه الحسابات الخاطئة بحُروب مُدمِّرة تؤدي إلى شرخ عميق في وحدة أرض لبنان وشعبه.