من تقاليد العالم العربي أن تحفل العواصم والمدن كل سنة بذكرى كوارث وهزائم، من وعد بلفور وقرار التقسيم إلى «النكبة» ثم «النكسة» على أمل الاستعداد لإلحاق هزيمة بالكيان الصهيوني. ومن التقاليد التي تترسخ في الجمهورية الإسلامية في إيران ولدى الفصائل المسلحة المرتبطة بها إنكار الهزائم على رغم الاعتراف بالضربات القاسية والإعلان الدائم عن «نصر إلهي». ولا مجال للخطأ في قراءة ما وراء احتفال «حزب الله» بكارثة «حرب الإسناد» التي هي هزيمة استراتيجية. فالهدف مزدوج: تسجيل «نصر» في الداخل على السلطة، والوعد بـ«انتصار» على العدو يومًا ما. واللعبة هي «تكبيل» رئيس الحكومة نواف سلام و«تجويف» عهد الرئيس جوزف عون، وترك رئيس المجلس النيابي نبيه بري يتلاعب بالسلطة، و«حزب الله» يلعب بالشارع وبالسلاح. ولا معنى لوحدة الحكم إذا كان ثمنها التوقف عن اتخاذ القرارات الصعبة أو عن تطبيق قرارات متخذة، بحيث لا يختلف الخلاف داخل الحكم على وحدته في مثل هذا الحال. ولا شيء يحفظ هيبة الحكم التي تضررت بشدة سوى عمل كبير جريء يؤكد أن البلد انتقل بالفعل من مرحلة إلى أخرى. فما ظهر حتى الآن هو أن المرحلة القديمة ترفض التخلي عن الموقع والدور والنفوذ للمرحلة الانتقالية التي سميت جديدة. وما يقال عن الحاجة إلى نوع من المراجعة والتروي خوفًا على الوحدة الوطنية يواجه إصرارًا على المطالبة بالتراجع الذي هو أكبر خطر على الوحدة الوطنية والبلد والعهد. ثم كيف يكون «درء الفتنة» هو الخضوع لما يتحدى به طرف واحد بقية الأطراف؟ وكيف يمكن التسليم بأن يتولى حزب مذهبي مسلح مرتبط بإيران تصنيف اللبنانيين بين من هم مع «المقاومة الإسلامية» ومن هم ضد المقاومة، بدل تصنيف المواقف على أساس معيار وحيد هو المصلحة الوطنية اللبنانية العليا؟ كلام الشيخ نعيم قاسم على «ترميم» المقاومة ليس سوى إشارة إلى اقتراب مرحلة العودة إلى استخدام السلاح، لا مجرد الحفاظ عليه، وإلى أن حديث الدولة عن استعادة قرار الحرب والسلم هو قرار على الورق. لا بل إن ما يهدد به من «مواجهة كربلائية» دفاعًا على السلاح هو مسألة تتجاوز السلاح نفسه وما يسمى «الخطر الوجودي». ذلك أن «حزب الله» يلح على إعادة الإعمار، وهو يستعد للحرب ويعرف أن بنيامين نتنياهو يريد «إكمال المهمة في الشمال» بعد حرب غزة، وبالتالي يتصرف على أساس أن الاتفاق على وقف الأعمال العدائية وتطبيق القرار 1701 بكل مندرجاته مجرد مرحلة موقتة. والرفض القاطع لتسليم السلاح إلى الجيش هو جزء من استراتيجية متجددة في إيران عنوانها قوة الرأس وتقوية الأطراف الحامية له في لبنان والعراق واليمن والرهان على استعادة سوريا. فالمطلوب ليس فقط الحفاظ على سلاح «حزب الله» وتعويض الصواريخ التي خسرها بل أيضً انضمام لبنان والعرب إلى «محور المقاومة» لعدو واحد هو إسرائيل. والدعوة، لا إلى التنمية والازدهار والتقدم التكنولوجي بل إلى حرب دائمة. حرب هي مجرد حال قتال من دون قدرة على تحرير الأرض، لكنها تخدم المشروع الإقليمي الإيراني في المواجهة مع أميركا أو في البحث عن صفقة مع «الشيطان الأكبر». من هنا خطورة أي تراجع عن حصرية السلاح وقرار سحبه. فالمؤكد عندها هو إغلاق العرب والغرب نافذة الفرصة المفتوحة أمام لبنان وتركه في عزلة تحت أثقال أزماته المالية والاقتصادية والاجتماعية العميقة، والخطير جدًا هو دفع لبنان إلى مواجهة مع أميركا وحرب مع إسرائيل، حيث لا خيار للبنان إلا تركيز العلاقات مع الأشقاء العرب والأصدقاء الدوليين. ومتى؟ في نهاية الدور الإقليمي الذي خسره «حزب الله» بسقوط نظام الأسد وإغلاق الجسر السوري. وفي نهاية دور السلاح على أرض لبنان. و«العقل وُجد دائماً عند الإنسان، ولكن ليس دائماً بصورة عقلانية» كما قال ماركس.