على حافة دمائهم، يترقب الغزيون وقف نزيفٍ مستمرّ منذ 7 أكتوبر، نزيف حصد أرواح عشرات الآلاف، ومحا أحياء ومدنًا من الخرائط. من بين الركام أو من داخل الخيام، ينتظر الفلسطينيون بصيص ضوء ينذر بنهاية العتمة، ووسط غدٍ مجهول تسود حالٌ من عدم اليقين ما إذا كانت خطة ترامب لوقف الحرب، بخطوطها العريضة التي لا تخفي مجافاتها للعدالة وحقوق الشعب الفلسطيني، ستبصر النور فعلًا أم لا.
"تعبنا والله" لسان حال أهل غزة مِمّن لم يخطفه القصف أو حتى الجوع، يترقبون بحذر ما قد يكون فعلًا بالنسبة إليهم الفرصة الأخيرة للنجاة من الموت، فرصة للبقاء في هذا الوجود بغض النظر حتى عن شكل وظروف بقائهم، فهم يعتبرون خطة ترامب المطروحة، رغم ما تنطوي عليه من بنود مجحفة، الفرصة الأخيرة للوقوف في وجه شبح التهجير والإبادة والحصار الخانق الذي يتعقبهم منذ أكثر من عامين.
اليوم، ينتظر سكان غزة وقف إطلاق النار بفارغ الصبر، بحسب ما نقله عنهم الصحافي الفلسطيني طارق دحلان لـ "نداء الوطن"، لا بوصفه حلًا عادلًا أو نهاية طبيعية لصراع طويل، بل كنافذة ضوء أخيرة وسط ظلام الحرب المتواصلة. فالجميع، من شيوخ ونساء وأطفال، يتطلّعون إلى لحظة صمت المدافع وانتهاء مشاهد الدمار، حتى وإن كان الثمن قبول خطة لا تعبّر عن تطلّعاتهم الوطنية، ولا تعيد لهم ما فقدوه من أرض وحقوق.
ويؤكّد دحلان أن أصواتًا عديدة في غزة تدعو "حماس" والفصائل الفلسطينية إلى إبداء مرونة والموافقة على الخطة، رغم إدراكهم حجم الإجحاف الكامن فيها، وذلك انطلاقًا من قناعة مريرة مفادها، أن لا سبيل لوقف نزيف الدم إلّا عبر هذا الطريق. فبعد سنوات من القصف والتهجير والمعاناة، صار وقف شلال الدماء في حدّ ذاته هو الانتصار الوحيد الممكن بالنسبة إليهم، والانتصار الأكثر إلحاحًا في نظرهم.
لا شك في أن دخول الحروب أهون من الخروج منها، بغض النظر عن الرابح والخاسر فيها، إلّا أن الخاسر الأكبر والوحيد هو الإنسان في هذه البقعة من الأرض، أي غزة. إنسان سُلبت منه أرضه ودُمّرت مدينته ومعها كرامته وأحلامه وآماله، في لحظة طوفان غير مدروسة. وفي اللحظات المصيرية الحاسمة، يصبح السؤال الوجودي بالنسبة إلى دحلان: أيّهما أولى، أن نحفظ ما تبقى من حياة وكرامة، أم نصرّ على عنادٍ يقودنا إلى انتحار جماعي لا ملامح له؟ ويؤكّد أن إنهاء هذا الكابوس اليوم، لم يعد خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة وجودية تتقدّم كل شعارات الصمود "الأجوف".