شربل صيّاح

مقاعد ستّة للمنتشرين… مزحة ثقيلة؟

4 دقائق للقراءة

في الوقت الذي يتغنّى فيه المسؤولون بحقوق اللبنانيين المنتشرين حول العالم، ويُكثرون من الحديث عن "ربط الاغتراب بالوطن الأم"، تقف المادة 112 من قانون الانتخاب رقم 44/2017 كجدارٍ صلدٍ يفصل اللبناني المقيم عن اللبناني غير المقيم، ويحوّل حق الاقتراع – وهو أحد أبرز مظاهر المواطنة – إلى امتيازٍ مُقيّدٍ ومبتور.

تنص المادة بوضوح على أن "المقاعد المخصصة في مجلس النواب لغير المقيمين هي ستة، تحدد بالتساوي ما بين المسيحيين والمسلمين موزعين كالتالي: ماروني، أرثوذكسي، كاثوليكي، سني، شيعي، درزي، وبالتساوي بين القارات الست". بهذا النص، يُختزل ملايين اللبنانيين المنتشرين في العالم في ستة مقاعد رمزية، موزّعة طائفياً وجغرافياً، وكأنهم كتلة بشرية متجانسة لا انتماء سياسياً لها، ولا جذور مناطقية تربطها بالدوائر الانتخابية الأم.

أولاً: خرقٌ صارخ لمبدأ المساواة الدستوري

ينص الدستور اللبناني في مقدمته على أن "اللبنانيين سواء لدى القانون، وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية". لكنّ المادة 112 تقيم تمييزًا واضحًا بين المواطنين على أساس مكان الإقامة:

المواطن المقيم يمارس حقه كاملاً في دائرته الانتخابية، يصوّت للائحة كاملة وينتخب مرشّحه التفضيلي حيث يشاء.

أمّا المواطن غير المقيم، فيُعزل في دائرة "عالمية"، ويفقد حقه الطبيعي في التأثير في مسقط رأسه أو منطقته أو تياره السياسي.

أليس هذا تمييزاً فاضحاً؟ كيف يمكن لقانون يُفترض أنه يُنظّم ممارسة الحق الانتخابي أن يُميّز بين مواطنَين يحملان الجنسية نفسها والحقوق نفسها، فقط لأن أحدهما يعيش في الخارج؟

ثانياً: الآلية التطبيقية… هشة، مرتبكة، شكلية

في عام 2021، شكّلت الحكومة لجنة وزارية من وزارتي الداخلية والخارجية لوضع آلية لتطبيق المادة 112. والنتيجة كانت آلية أشبه بترقيع إداري منها بخطة انتخابية متماسكة.

أولاً، قُسّمت الدوائر إلى ست دوائر تماثلاً مع "القارات الست". غير أنّ العالم مكوَّن عملياً من خمس قارات، فاحتُسبت القارة السادسة على أنها القطب الجنوبي! وعندما تبيّن أن القطب الجنوبي غير مأهول فعلياً، وأن المقيمين فيه لا يتعدّون نحو ألف شخص من الباحثين وطلاب الدراسات العليا المقيمين مؤقتاً، عادت اللجنة إلى أرشيف الأمم المتحدة لتتبنّى تقسيمًا على أساس "مناطق الأقاليم" بدلاً من القارات.

ثانياً، اختيار طائفة النائب في كل قارة يُحدَّد بحسب عدد المسجّلين في القارة ذاتها. فلو سُجّل مثلاً 30 ألف ناخب لبناني في أوروبا، بينهم 12 ألف كاثوليكي، يُحسم مقعد أوروبا لنائب كاثوليكي. وإذا كانت الغالبية شيعية، يكون النائب شيعياً… وهكذا. لكن ماذا لو فاز في أوروبا نائب شيعي؟ هل يعني ذلك أنّه سيكون خارج الاصطفافات السياسية التقليدية في لبنان؟ هل سيكون شيعياً مع الكتائب أو كاثوليكياً مع "حزب الله"؟ هذه فرضيات عبثية لا ترتكز على أي واقع سياسي، بل تُظهِر انفصال هذه الآلية عن البنية السياسية الفعلية في الداخل.

ثالثاً، اعتمدت اللجنة مبدأ الدائرة الواحدة للمغتربين، ما يخلق إشكاليات حادّة في الصوت التفضيلي. إذ كيف يُمارَس الصوت التفضيلي في دائرة عالمية مترامية الأطراف؟ وأين تُفرَز الأصوات؟ هذه الأسئلة الجوهرية تُركت بلا إجابات، لتتحوّل الآلية إلى هيكل إداري هش، لا يقدّم أي ضمانات للعدالة أو الشفافية أو التمثيل الحقيقي.

إن ما يُقدَّم على أنه "آلية لتنظيم اقتراع المنتشرين" ليس سوى واجهة شكلية لتجميل خلل بنيوي في القانون، لا أكثر.

المادة 112 ليست مادة تقنية، بل ثغرة دستورية وسياسية تمسّ جوهر المساواة الانتخابية. والآلية التي صاغتها اللجنة الوزارية لا تُعدّ حلاً، بل فضحت هشاشة الفكرة من أساسها.

إذا كان الهدف فعلاً إشراك اللبنانيين المنتشرين، فالطريق ليس بتخصيص ستة مقاعد رمزية مبهمة، بل بمنحهم الحق الكامل في التصويت في دوائرهم الأصلية، كما يفعل أي لبناني مقيم. أمّا أن يُطلب منهم المشاركة عبر دائرة عالمية بلا هوية ولا صوت فعلي، فذلك لا يُعدّ إصلاحًا، بل تهميشًا مُقنّعًا.