بعد نحو 10 شهور على سقوط نظام الأسد، تشهد سوريا غدًا الأحد تصويتًا غير مباشر لتشكيل أوّل "مجلس شعب" (البرلمان) في حقبة ما بعد حُكم "البعث"، وهي خطوة رئيسية في المسار الانتقالي المضطرب، لكنها أثارت مخاوف كبيرة متصلة بالإقصاء السياسي في ظلّ القيادة الإسلامية الجديدة للبلاد التي تشهد موجات عنف طائفي متنقلة.
والانتخابات غير مباشرة تختار فيها هيئات انتخابية إقليمية، تضمّ 6000 ناخب، ثلثي أعضاء "مجلس الشعب" البالغ عددهم 210، فيما سيُعيّن الرئيس أحمد الشرع الثلث المتبقي من المقاعد. ووافقت لجنة عيّنها الشرع على 1570 مرشحًا. وتزعم السلطات أنها لجأت إلى هذا النظام بدلًا من الاقتراع العام، للافتقار إلى بيانات موثوقة للسكان، خصوصًا بعد نزوح وهجرة ملايين السوريين بسبب الحرب.
ولأسباب أمنية وسياسية، قرّرت الحكومة تأجيل العملية في الشمال الشرقي، الذي تسيطر عليه "قسد"، كما في محافظة السويداء، حيث يسيطر "الحرس الوطني الدرزي" بشكل رئيسي على المنطقة. وهذا يعني أنه سيبقى 19 مقعدًا في البرلمان شاغرًا. وتعرّضت هذه الخطوات لانتقادات كثيفة، إذ اعتبر المعترضون أن التصويت الجزئي وغير المباشر لا يمثل كلّ الشعب، فضلًا عن إدارة العملية بشكل مركزي للغاية.
ومدينة دير الزور مثال صارخ على ذلك، إذ يقسّمها نهر الفرات إلى جزءين: النصف الغربي الذي تسيطر عليه الحكومة، حيث سيجرى التصويت، والنصف الشرقي الذي تسيطر عليه "قسد"، حيث لن تحصل الانتخابات غير المباشرة. كما رأى المنتقدون أن هذه العملية تفتقر لمشاركة المرأة والأقليات الدينية والعرقية. وتشكّل النساء 20 في المئة من المرشحين في ربع الدوائر الانتخابية فقط، في حين لا تتجاوز النسبة 10 في المئة في نصف الدوائر، علمًا أنه لم تُحدّد حصص للنساء أو للأقليات.
ولم يكن وضع النساء أفضل في ظلّ حكم آل الأسد. كما لم يكن لهن حصص في "مجلس الشعب" آنذاك، وشكّلت المشرّعات نسبة صغيرة تراوحت بين 6 و13 في المئة من الهيئة التشريعية منذ عام 1981 حتى إطاحة الرئيس المخلوع بشار الأسد، وفقًا للاتحاد البرلماني الدولي الذي يجمع بيانات عن البرلمانات الوطنية حول العالم. وكان عدد مقاعد البرلمان أكبر قليلًا في عهد الأسد، إذ ضمّ 250 مقعدًا، خصّص ثلثاها لأعضاء حزب البعث. ووصف معارضو الأسد الانتخابات الأخيرة التي أُجريت في تموز 2024 بأنها مهزلة موصوفة كما سابقاتها.
ومن القصص اللافتة في هذا الإطار، خوض السوري - الأميركي هنري حمرة، ابن آخر حاخام غادر سوريا في التسعينات، السباق إلى "مجلس الشعب"، ليكون بذلك أوّل مرشح للطائفة اليهودية منذ قرابة 7 عقود، في وقت تحاول فيه الطائفة اليهودية، التي تمتدّ جذورها في سوريا إلى قرون قبل ميلاد المسيح، إعادة إحياء وجودها في البلاد منذ إحكام الشرع قبضته على دمشق، التي تبدي مرونة تجاه الطائفة اليهودية، علمًا أن عدد أفراد الطائفة تقلّص تباعاً على وقع النزاع العربي -الإسرائيلي من آلاف إلى بضعة أشخاص.
وفي شباط، زار حمرة (47 عامًا)، المُقيم في الولايات المتحدة، برفقة والده، دمشق، في أوّل زيارة ليهود سوريين بعد إطاحة بشار الأسد، الذي فرض والده الرئيس الراحل حافظ الأسد قيودًا عليهم قبل هجرتهم تباعًا. وفي حارة اليهود في دمشق، تنتشر منشورات لحملة حمرة الانتخابية ملصقة على جدران عدد من الأبنية. ويرد اسم حمرة على لائحة المرشحين لعضوية "مجلس الشعب".
على صعيد آخر، دانت بطريركية أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس في بيان، مقتل ثلاثة شبان في قرية عناز بوادي النصارى في ريف حمص الأربعاء، معتبرة أنه "في الوقت الذي تحاول فيه سوريا النهوض من جديد، تمتدّ يد الإثم مجدّدًا لتعبث بالسلم الأهلي، العنصر الأساس للعيش الواحد الذي سعت وتسعى كنيسة أنطاكية إلى الحفاظ عليه، رغم كلّ المتغيّرات". وإذ شجبت الكنيسة الأنطاكية ما جرى من "عمل آثم"، وضعت في يد المسؤولين "الجريمة المستنكرة لكشف الفاعلين ومحاسبتهم".