وسط مشهد إقليمي تتقاطع فيه التحديات الحالية مع المخاطر المستقبلية، تواجه العلاقات اللبنانية – الخليجية توترًا متزايدًا نتيجة تمدد "حزب الله" خارج إطار الدولة اللبنانية ورفضه الالتزام بمبادئ السيادة الوطنية. نفوذ "الحزب" لم يعد محصورًا بالداخل اللبناني، بل تجاوزه إلى دول خليجية، وعلى رأسها مملكة البحرين، التي أصبحت ساحة تأثير إقليمي تهدد أمنها واستقرارها وتقوّض مسار علاقاتها مع لبنان. يشمل هذا التمدد نشر أيديولوجية "الحزب" وتنظيم فعاليات متعددة، ما يعكس استراتيجية واضحة لتعزيز حضوره السياسي والثقافي في المنطقة .
لبنان بين السلاح والسيادة
داخليًا، يواصل "حزب الله" تعزيز ترسانته العسكرية وتطوير قدراته الصاروخية وفق تصريحات قياداته العلنية. وجود قوة مسلحة موازية يؤدي إلى إخراج القرار الأمني والعسكري من سلطة الدولة، ما يجعل لبنان أكثر هشاشة ويحد من قدرته على الانخراط الفاعل في المشاريع الاقتصادية الإقليمية والدولية. كما يعطل هذا الوضع تنفيذ الاتفاقيات الدولية وبرامج الدعم الضرورية لتحقيق الاستقرار والإصلاح الداخلي، ما يزيد من تعقيد الأزمة الاقتصادية والسياسية في البلاد ويعمّق الشعور بانعدام الأمن والقدرة على اتخاذ قرارات مستقلة .
البحرين في مرمى النفوذ
إقليميًا، يعزز "حزب الله" حضوره في مملكة البحرين مستفيدًا من الأبعاد السياسية والدينية. فقد شهدت مناطق مثل الدير والدراز فعاليات تحت شعار "أنا على العهد"، إحياءً لذكرى الأمناء العامين السابقين، وشملت هذه الفعاليات تجمعات وخطابات تعبويّة وبرامج إعلامية مرتبطة بشبكات "الحزب"، ما يعكس دورها كأداة مباشرة لتعزيز نفوذه داخل المجتمع البحريني .
المواطن البحريني راشد بن علي أكد لصحيفة "نداء الوطن" أنّ "الحزب" يدّعي رغبته في فتح صفحة جديدة مع دول الخليج، خاصة المملكة العربية السعودية، لكنه في الواقع يسعى لتعزيز نفوذه داخليًا. الشعب البحريني يراقب هذه المحاولات عن كثب، والتي تتجلى في تنظيم فعاليات سياسية تهدف إلى زعزعة الاستقرار، مثل قيام مجموعة خارج القانون بتعليق لوحة تحمل اسم حسن نصر الله في أحد شوارع سترة، في انتهاك واضح للقانون والسيادة الوطنية .
حماية المعارضين البحرينيين في لبنان
وكشفت مصادر بحرينية لصحيفة "نداء الوطن" أن تدخل "الحزب" لا يقتصر على الجانب الرمزي والإعلامي فحسب، بل يمتد أيضًا إلى توفير الحماية لبعض المعارضين البحرينيين المقيمين في لبنان. ويتابع مسؤول "وحدة الارتباط والتنسيق"، وفيق صفا، هذا الملف بشكل مباشر، فيما يُعدّ الشيخ حسين الأكرف أبرز هؤلاء المعارضين، إذ يحظى بدعم "الحزب" الذي يوفر له بيئة آمنة لممارسة نشاطه السياسي والإعلامي المناهض للسلطات البحرينية. يسهم هذا التدخل في زيادة التوترات الداخلية، ويؤكد دور "الحزب" كأداة نفوذ إقليمي تتجاوز الحدود اللبنانية .
العلاقات اللبنانية – الخليجية على المحك
تدخل "الحزب" في البحرين يضع العلاقات اللبنانية – الخليجية على اختبار حقيقي، إذ ترى الدول الخليجية في هذه التحركات تهديدًا مباشرًا لاستقرارها، ما يدفعها إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددًا تجاه لبنان. لبنان، بدل أن يكون جسرًا للتعاون الاقتصادي والسياسي، أصبح مصدر توتر مزمن بسبب سياسات الحزب، ما يضاعف أزماته الاقتصادية والاجتماعية ويزيد عزلة الدولة عن محيطها الإقليمي والدولي .
الأبعاد الثقافية والسياسية للتدخل
نفوذ "الحزب" يتجاوز الجانب العسكري والسياسي ليطال الثقافة الوطنية ومفهوم السيادة، إذ تتحول قدراته العسكرية إلى أداة نفوذ إقليمي، ويصبح القرار اللبناني خاضعًا لتوازنات داخلية وخارجية بدل أن يعكس إرادة الدولة ومصالح شعبها. كما يعمل "الحزب" على تعطيل القرارات الحكومية التي لا تتوافق مع مصالحه، ما يعرقل الإصلاح الاقتصادي ويؤخر تنفيذ برامج الدعم الدولية، ويزيد الضغط على المواطنين .
الطريق إلى دولة مستقرة وموحدة
السؤال الرئيس يبقى: كيف يمكن للبنان استعادة سيادته واستقراره؟ الحل يكمن في اتخاذ قرار سياسي وأمني يعيد حصر السلاح بيد الدولة الشرعية ويضع حدًا للقوى المسلحة الموازية. استمرار "الحزب" في استخدام ترسانته كأداة نفوذ إقليمي سيبقي سيادة لبنان معلّقة، ودولته عاجزة عن حماية شعبها أو بناء مستقبل مستقر .
في النهاية، إن استمرار تدخل "حزب الله" في البحرين وسائر دول الخليج لن يضر فقط بمصالح هذه الدول، بل يزيد عزلة لبنان ويضاعف أزماته الداخلية. لبنان أمام مفترق طرق: إما دولة قوية تستعيد قرارها، أو ساحة مفتوحة لنفوذ إقليمي .