محمد دهشة

الفنان فضل شاكر: رحلة المجد ثم الفرار... تنتهي عند قوس العدالة

4 دقائق للقراءة
الفنان فضل شاكر

 بعد اثني عشر عامًا من اللجوء خلف أسوار مخيم عين الحلوة، أسدل الفنان اللبناني فضل عبد الرحمن شمندر، المعروف باسم فضل شاكر (56 عامًا)، الستارة على فصل طويل من حياته، حين سلّم نفسه للسلطات اللبنانية، في مشهدٍ أنهى تواريه عن الأنظار منذ أحداث عبرا عام 2013.

وشاكر، ابن تعمير صيدا، لجأ إلى حي المنشية داخل مخيم عين الحلوة بعد الاشتباكات الدامية بين الجيش اللبناني وجماعة الشيخ أحمد الأسير. وعاش فيه سنواتٍ من القلق والترقّب، بعدما تبدل مسار حياته من فنانٍ كان يملأ الفضاء العربي صوتًا وشهرةً، إلى متوار عن العدالة وسط صمت المنفى.

وقالت مصادر أمنية لـ "نداء الوطن"، إنّ اتصالاتٍ غير مباشرة جرت بين شاكر والجيش اللبناني لإتمام خطوة تسليم نفسه، فتمّ ذلك بسرية تامة وبهدوءٍ عند المدخل الغربي للمخيم – حسبة صيدا. مكث قليلًا هناك، قبل أن يصل موكب من مديرية المخابرات لينقله إلى وزارة الدفاع في اليرزة، حيث بوشر التحقيق معه بإشراف القضاء المختص.

وتعدّدت الروايات حول الأسباب التي دفعت شاكر إلى هذه الخطوة المفصلية: منهم من تحدّث عن تهديدات بالقتل تلقّاها من مجموعات إسلامية متشددة كانت قد وفّرت له الحماية الأمنية خلال سنوات تواريه، بعد أن عاد إلى الغناء إثر اعتزاله، ومنهم من تحدّث عن تسويةٍ ما يجري إعدادها تمهيدًا لإخلاء سبيله، بعد التحقق من عدم مشاركته في أي أعمالٍ ضد الجيش أو السلم الأهلي.

بينما أكد مقربون من العائلة أن هذه الخطوة جاءت بعد اتصالات مكثفة وضمانات، تتيح إعادة النظر في الأحكام السابقة بحق الفنان شاكر، خصوصاً بعد صدور مواقف متكررة منه تؤكد رغبته في "إنهاء المرحلة الصعبة" و"إثبات براءته".

وفي أول تعليق له، قال نجله الفنان محمد شاكر عبر خاصية الستوري على حسابه في إنستغرام: "إن مع العسر يسرًا.. مهما ضاق الطريق فإن فرج الله أقرب مما تظن"، بعدما كان صرّح سابقاً أن والده "ينوي تسليم نفسه عندما تتوافر الظروف المناسبة"، مؤكداً ثقته بـالقضاء اللبناني وقدرته على إنصافه"، مشيرًا إلى أن العائلة "عاشت معاناة طويلة من الظلم والتشويه الإعلامي"، و"الوقت حان لقول الحقيقة وإنصاف والده".

طوال سنوات لجوئه في عين الحلوة، عاش شاكر بين العزلة والجدل. غاب عن الأضواء، ولم تنجح مطالب تسليمه من القوى الفلسطينية إذ احتمى بمجموعات إسلامية متشددة وفرت له الحماية الأمنية إلى أن هدأت العاصفة، ثم عاد إلى العلن تدريجيًا، مطلقًا مواقف سياسية، قبل أن يُطلب منه التزام الصمت.

لكنّ الفن ظلّ يسكنه، فعاد إلى الشهرة مع زيارة الفنانة المصرية شيرين إلى منزله وطرح شاكر فيديو كليب في تموز الماضي بعنوان «كيفك ع فراقي»، تعاون فيه مع نجله محمد، وقد حقق نجاحًا كبيرًا كعادة الأغاني التي يطرحها منذ عودته للغناء.

وعلى الصعيد القضائي، فقد وُجهت إلى شاكر اتهامات بالمشاركة في أحداث عبرا وصدرت بحقه سلسلة من الأحكام منذ عام 2016، حين قضت المحكمة العسكرية بسجنه خمس سنوات وتجريده من حقوقه المدنية بتهمة تأجيج الفتنة. ثم توالت الأحكام فصدر حكمٌ عام 2017 بسجنه 15 عامًا، ثم جرى تبرئته عام 2018 من تهمة المشاركة في أحداث عبرا. وفي عام 2020، صدر حكم جديد قضى بسجنه 22 عامًا بتهمٍ تتعلق بتمويل جماعة الأسير، قبل أن يُبرّأ مجددًا لعدم كفاية الأدلة.

اليوم، وبمجرد توقيفه، سقطت الأحكام الغيابية الصادرة بحقه، لتبدأ مرحلة جديدة من التحقيق وإعادة المحاكمة، حيث سيُمنح حقّ توكيل محامين والدفاع عن نفسه في جلسات علنية خلال الأسابيع المقبلة، في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا بين الفن والسياسة في لبنان.

وفي بيان رسمي، أكدت قيادة الجيش - مديرية التوجيه البيان الآتي: "بتاريخ 4/10/2025 مساءً، نتيجة سلسلة اتصالات بين الجيش والجهات المعنية، سلم المطلوب فضل عبد الرحمن شمندر المعروف 'شاكر' نفسه إلى دورية من مديرية المخابرات عند مدخل مخيم عين الحلوة - صيدا، وذلك على خلفية أحداث عبرا في العام 2013. بوشر التحقيق معه بإشراف القضاء المختص".

وفي بيانه الأخير، جدد شاكر تمسّكه ببراءته من التهم المنسوبة إليه، مؤكّدًا أن "قضيته اتُّخذت ذريعة لتصفيته سياسيًا وفنيًا على مدى أكثر من 13 عامًا"، ودعا إلى التعامل مع ملفه كقضية إنسانية لا سياسية، موجّهًا تحية خاصة إلى وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ومؤكّدًا استمراره في الفن رغم كل شيء.

وهكذا، بين المسرح والمخيم، بين صوتٍ كان يملأ الدنيا وغرفةٍ ضيقة في عين الحلوة، طوى شاكر صفحةً طويلة من اللجوء، لتُفتح أمامه اليوم أخرى جديدة عنوانها "المحاكمة" لينال جزاءه العادل سواء كان حكمًا بالسجن أو براءة.