رأى سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي ابي المنى انه مهما برزت العوائقُ من داخلٍ الوطن أو من خارجه، فالروابطُ الروحية والوطنية بين أبنائه متينةٌ وعصيَّة على الانحلال، مشددا على البناءَ الوطنيَّ والإنساني والتمسكُ بالهُوية الروحية الخاصة التي لا تتعارضُ معَ الانفتاح والحوار والعيش الواحد ومع المصالح العليا للوطن، الذي لا يبنى بالتعصُّب والتكفير والتطرُّف.
كلام سماحة الشيخ ابي المنى جاء خلال جولة قام بها على حاصبيا ومنطقتها، حيث القى شيخ العقل كلمة، قائلا: "يُسعدُني أن نكون معاً اليومَ في حاصبيا، حاصبيا الأصالة والتاريخ والتقوى والوطنية، حاصبيا النموذجِ الجنوبيِّ الصامدِ والمتمسِّك بإرادة البقاء والارتقاء، وقد اخترناها بمعية اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز لتكونَ المحطةَ الثانية في سلسلة ندوات "الشراكة الروحية الوطنية" التي أطلقناها منذ أشهر، وليكونَ هذا العنوانُ محورَ التداخل والتفكير المعمَّق في مواكبة مسيرةٍ وطنيةٍ فكرية وعهدٍ جديد استبشرنا به خيراً بخروج لبنانَ سليماً معافى من غرفة الطوارئ التي اعتاد عليها، إن لم نقل من غرفة العناية الفائقة. ويسعدُني أن أكون معكم في هذا اللقاء الوطنيِّ الفكريّ الجامع، مرحِّباً ومتكلِّماً ومستمعاً، وأن يُلبِّيَ دعوتَنا هذه دولةُ نائب الرئيس المعروفِ بتجربتِه الغنيّة وبفكره المنفتح على الحوار وسبر الأغوار، والمتجاوبِ معنا باندفاعٍ لخوض غمار هذا التّحدي الثقافي الوطني".
اضاف: "الشراكةُ الروحيةُ الوطنية، مظلةُ الإصلاح والإنقاذ"، هذا العنوانُ الأشملُ والأساسُ الأمتنُ لبناء الدولة واستعادةِ الأمل، والشعارُ الأرقى الذي يُجسِّدُ معنى وجودِ لبنان، كوطنِ التنوُّع والشراكة؛ وطنِ التنوُّع في الوحدة، والشراكةِ في العمل، وطنِ المؤمنين بالله وبالعيش الواحد المشترَك، حيث الجميعُ أخوةٌ في الحقِّ والوطنية والتعلُّق بالوطن:
العيشُ مشترَكٌ، بل واحدٌ أبدا
وحبُّ لبنانَ عهدٌ بيننا عُهِدا
الدينُ يَجمعُنا والحقُّ مَرجِعُنا
شُقُّوا القلوبَ تُلاقوا الواحدَ الأحدا
نعم، أيُّها الأخوةُ والأخوات، إنَّ لبنانَ مختبَرُ إيمانٍ وتفاعلٍ وطني رائع؛ علمنةٌ روحانية، ومدنيةٌ مؤمنة، وتنوُّعُ مكوِّناتٍ حضارية تَجعلُه متميِّزاً بين بلدان هذا الشرق، شعبُه واحدٌ بالرغم من تعدُّد أديانه ومذاهبه وثقافاته، جذورُه متينةٌ وصَلبة، وأغصانُه وزهورُه مُتعدّدةُ الألوان والأحجام والاتجاهات، لكنَّها متفرِّعةٌ من جَذعٍ تاريخيٍّ وعربيٍّ ووطنيٍّ متين، وكأنها ترسمُ لوحةً جميلةً رائعةً كطبيعته الخلَّابة، والشعبُ اللبنانيّ الأصيلُ كتلك الطبيعةِ الخالدة عصيٌّ على التفكُّك والانكسار والزوال، مهما تغطرس العدوانُ وتجبَّر، ومهما برزت العوائقُ من داخلٍ أو من خارج، فالروابطُ الروحية والوطنية بين أبنائه متينةٌ وعصيَّةٌ على الانحلال، وتلك لَعمري هي مِظلَّةُ الإصلاح والإنقاذ، التي تجمعُنا دائماً تحت فيئها وأمنِها وأمانها.
من هذا المنطلق أطلقنا فكرةَ الشراكةِ الروحية الوطنية، وأردنا أن نخطوَ اليومَ الخطوةَ الثانية لاستكمال سلسلةِ الندوات حول هذا الموضوع برعاية صاحب الدولة ومشاركتِه، وبتقديرنا الكبير لما يتمتَّعُ به من عميق فكرٍ وسَعةِ تجربة، وقد عقدنا العزمَ على أن نَنشرَ تلك الثقافة فنجمعَ حولَها المداخلاتِ القيِّمةَ في أكثرَ من ندوةٍ ومعَ أكثرَ من رأيٍ من نخبة القوم، علَّنا نختتمُ هذه الندواتِ بمؤتمرٍ وطنيٍّ روحيّ يرعاه فخامةُ رئيس الجمهورية، إذ إنّ رعايتَه هي الأعلى بما تكتسبُ من قوّةٍ معنويَّة تلتقي في كنفِها جميعُ المكوِّنات والقوى الوطنية، لتُطرَحَ فيه خلاصاتُ الأفكار والمواقف، ومنها ما سيُقدَّمُ اليومَ من قِبل المتكلِّمين الكرام الأثرياءِ بفكرِهم وتجاربهم، والقادمين من منابرَ علمية وروحيةٍ مرموقة مَعنيةٍ بالإضاءة على تلك الثقافة وبتعزيز هذا التفاعلِ وبنشر الوعي بين أبناء الوطن".
وتابع: "إنّ هذه الندوةَ اليومَ تصبُّ في المنحى الذي أردناه منذ بداية طريقِنا ليكونَ التنوُّعُ الثقافيُّ والدينيُّ القائم في لبنان مغذّياً للشراكةِ الروحية الوطنية التي تُصبح بدورها سبيلاً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة التي نسعى إليها من خلال بناءِ جسور الحوار الدائم، مدركين أن هذا البناءَ الوطنيَّ والإنساني لا يَعنيَ هدمَ البناء الخاص بكل عائلةٍ روحية، فالتمسكُ بالهُوية الروحية الخاصة لا يتعارضُ معَ الانفتاح والحوار والعيش الواحد ومع المصالح العليا للوطن، لأننا جميعُنا مرتبطون بتراثنا الثقافي وبهويّتنا الروحية، ومتمسكون بخصوصيّاتنا، مع الرغبة في السعي نحو الاندماج والتكامل معَ شركائنا في الوطن؛ وهنا يكمن التحدّي المزدوج، الأولُ في تثقيفِ الشباب وتربيتهم على التمسُّك بالجذور والأصول، والثاني في الانفتاح على المعرفة والتطوُّر الدائم. لقد أكَّدنا وأصحابَ الغبطة والسماحة الرؤساءَ الروحيين جميعَهم أننا مستمرُّون في تلاقينا وتعاونِنا لتعزيز الثقة في مجتمعنا، بالروح الطيّبة وبالكلمة الطيِّبة وبالعمل الطيِّب، لا بالتعصُّب والتكفير والتطرُّف، فتلك لا تبني الأوطانَ، بل تهدمُها، أمَّا التوحيدُ فسلامٌ ورحمةٌ ومحبة، وهو جامعٌ مشترَك يتعدّى المظاهرَ والطقوس، وقد عبَّرنا عن ذلك شعراً منذ زمنٍ، فقلنا:
تعمَّقتُ في ديني الحنيفِ فقادني
إلى غيرِه، لو أنّ ذاك مُغايِرُ
وأدركتُ أنَّ الحقَّ أصلٌ، وكلُّنا
فروعٌ وأغصانٌ له وأزاهرُ
إذا فرَّقَتْ بينَ الأنامِ عبادةٌ
فتجمعُهم فوقَ الطقوسِ الجواهرُ
ومضى سماحته يقول: "أيُّها الأحبّة، إنَّ الوطنَ تاريخٌ، والتاريخُ لا يُمحى بحادثةٍ هنا ومواجَهةٍ هناك، وتراثٌ اجتماعيٌّ وأخلاقيٌّ لا يتبدَّلُ بخطأٍ من هذه الجهةِ أو خطيئةٍ من تلك. الوطنُ سيرةُ أبطالٍ قادةٍ نُجباء وفلَّاحين أُخوةٍ شرفاء، هو كهفُ تعبُّدٍ وصومعةُ نُسكٍ وساحةُ جَمعٍ في الأفراح والأتراح، هو مَيدانُ عملٍ وشراكةٍ ولقاء، كرْمٌ وكرَم، سيفٌ وضَيف، نسمةٌ وبسمة، فيه وُلِدنا وفيه نعيشُ وفيه نموتُ وفيه نُبعَثُ من جديد، ومعاً نُعليه فوق الخلاف والاختلاف لنجعلَه النموذجَ الحيَّ للإنسان. من هذا المنطلَّق الوجداني والواقعي أطلقنا هذه المبادرةَ كمشروعِ تفاعلٍ وطنيٍّ يبدأ بالثقافة والتربية ولا ينتهي بالتنمية والاقتصاد والسياسة، وفي كلِّ ذلك هناك ميادينُ عملٍ تنتظرُنا للقيام بالمبادرات، أمَّا دورُنا كمرجعياتٍ روحيّة، فإنّنا نراهُ دوراً إنسانيّاً وأخلاقيَّاً يشكِّلُ مِظلَّةً روحيّة تتلاقى مع مظلّةٍ وطنيةٍ كبرى تتمثَّل برئاسة الجمهورية ومؤسسات الدولة، لتشكِّل معاً مظلَّةِ الشراكة الروحية الوطنية الجامعة التي هي حاضنةُ الإصلاح والإنقاذ، وضمانةُ التلاقي السياسيِّ الوطنيِّ المنشود".
