طارق أبو زينب

السلام ركيزة الممرّ الاقتصادي الدولي ولبنان خارج المعادلة

5 دقائق للقراءة

يطلّ الممرّ الهندي– الشرق أوسطي– الأوروبي كأحد أبرز المشاريع الاستراتيجية في المشهد الدولي الراهن، متجاوزًا الطموح الاقتصادي إلى بعدٍ جيوستراتيجي يعيد رسم موازين القوّة في الشرق الأوسط. ويرتبط المشروع مباشرة بمبادرة السلام التي أعلنها الرئيس الأميركي ترامب في غزة ولبنان وسوريا، والتي وضعت إنهاء الميليشيات المسلّحة شرطًا جوهريًا لضمان نجاح الممرّ واستقراره. وترى واشنطن أن الحدّ من قدرات "حزب اللّه" في لبنان يشكّل أولويّة موازية لمواجهة حركة "حماس"، ضمن رؤية شاملة يدعمها الكونغرس الأميركي لإرساء الأمن والاستقرار الإقليمي وتأمين انسيابية التجارة وحركة اللوجستيات عبر الممرّ. وهكذا، تتحوّل معادلة السلام إلى الركيزة الأساسية لتحقيق الأهداف الاقتصادية والسياسية الكبرى للمشروع.

مشروع اقتصاديّ متعدّد الأبعاد

أُعلنت مبادرة "الممرّ الاقتصاديّ" خلال قمّة مجموعة العشرين في نيودلهي في أيلول 2023، في إطار المنافسة العالمية على ربط الأسواق الكبرى. يهدف المشروع إلى إنشاء مسار تجاريّ بديل عن مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، يربط الهند بأوروبا مرورًا بالدول الخليجية والأردن وإسرائيل. ويركّز على تعزيز التنمية الاقتصادية، تأمين سلاسل التوريد، وتوسيع التواصل الإقليميّ، مع الاهتمام بالمياه والطاقة والنقل والفضاء والصحّة والأمن الغذائيّ، إلى جانب أبعاد سياسية تعزز النفوذ الإقليمي.

لبنان خارج المعادلة الاقتصادية

كشف مصدر دبلوماسي أميركي لصحيفة "نداء الوطن" أن لبنان بات معزولًا عن المشاريع الاقتصادية الإقليمية والدولية نتيجة أزماته السياسية والمالية والأمنية، التي ساهم الرئيس السابق ميشال عون و "حزب اللّه" في تفاقمها. ففي الوقت الذي كانت فيه المبادرات الكبرى قيد التحضير، كان لبنان غارقًا في صراعات المحاور من دون مرافئ حديثة أو مطارات فاعلة أو بنية تحتية متطوّرة أو قرار سيادي مستقلّ، ما أبعده عن الممرّ الاقتصادي والمشاريع الاستراتيجية المرتبطة به. وزاد الوضع سوءًا بعد تفجير مرفأ بيروت عام 2020، من دون جهود لإنشاء مرافئ بحرية تجارية جديدة وفق المعايير الدولية، ما يعكس هشاشة سياساته ويحدّ من قدرته على جذب الاستثمارات الأجنبية رغم موقعه الجغرافي الحيويّ.

الأثر الاقتصاديّ والسياسيّ للممرّ

يوضح الأكاديمي الأردني الدكتور ابراهيم سالم لصحيفة "نداء الوطن" أن الممرّ يشمل شبكة نقل تبدأ من السواحل الغربية للهند، مرورًا بالبحر وصولًا إلى ميناء الفجيرة في الإمارات، ثمّ عبر السكك الحديدية السعودية إلى الأردن، ومن هناك إلى ميناء حيفا في إسرائيل، قبل أن تصل البضائع إلى ميناء بيرايوس في اليونان وتنتشر إلى مختلف الدول الأوروبية. ويضمّ المشروع مسارين رئيسيين: الشرقي يربط الهند بالدول الخليجية، والشمالي يربط الخليج بالأردن وإسرائيل وصولًا إلى أوروبا، مع اعتبار إسرائيل الحلقة المحورية بين المسارين.

يشمل المشروع تطوير الطاقة التقليدية والمتجدّدة، التحوّل الرقمي، نقل البيانات بسرعة، وبناء السكك الحديدية لشحن البضائع، ما يعزز الكفاءة اللوجستية ويخفض التكاليف والمدّة بشكل كبير. ووفق تقديرات الخبراء، سيخفض الممرّ مدّة النقل من الهند إلى أوروبا بنسبة 40 % والتكاليف بنسبة 30 %. ويحظى المشروع بدعم أميركي وخليجي وأوروبي، ما يعزز النفوذ الغربي ويحوّل الممرّ إلى أداة استراتيجية متعدّدة الأبعاد مرتبطة مباشرة بالسلام في الشرق الأوسط وإنهاء الحروب لضمان استقرار المنطقة وفعالية النقل، مع دمج الأمن والسياسة والاقتصاد ضمن رؤية متكاملة تجمع بين السلام في غزة والازدهار الاقتصادي الإقليمي.

إسرائيل والممرّ: تحوّل استراتيجي

ترى إسرائيل في الممرّ تحوّلًا استراتيجيًا يتوافق مع عقيدة أمنها القومي، إذ يمنحها القدرة على الخروج من حالة الانغلاق الجيوسياسي وتحويلها إلى محور مركزي في سلاسل الإمداد العالمية، ويقلّل اعتمادها على الممرّات البحرية التقليدية مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز وباب المندب التي أظهرت هشاشتها بعد تهديدات الحوثيين واحتجاز السفن. كما يوفر الممرّ لإسرائيل أداة قوة ناعمة عبر التأثير في شروط التجارة وخلق اعتماد اقتصادي متبادل مع الدول العربية، ما يعزز موقفها التفاوضي في الملفات الإقليمية ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الاقتصادي.

إيران والتحدّيات الجيوستراتيجية

تعتبر إيران المشروع تهديدًا مباشرًا لنفوذها التاريخي كحلقة وصل بين الشرق والغرب، إذ يقصيها من منظومة النقل والطاقة المستقبلية ويضعف قدرتها على التأثير في التوازنات الإقليمية. وعلى الصعيد الأمني، يتيح المشروع إطارًا لتعزيز التعاون العسكري والاستخباري بين الولايات المتحدة وإسرائيل والهند والدول الخليجية، بما في ذلك تبادل المعلومات وتنفيذ تدريبات مشتركة، ما يزيد الضغط على القدرات الردعية الإيرانية ويحدّ من قدرتها على المناورة في المنطقة.

الربط بين السلام والازدهار الاقتصادي

الممرّ الهندي– الشرق الأوسطي– الأوروبي ليس مجرّد مشروع اقتصادي، بل أداة جيوستراتيجية تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. الربط بين السلام في غزة ونجاح الممرّ يعكسان رؤية متكاملة تجمع بين الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي، ما يمنح إسرائيل وحلفاءها العرب والدوليين تفوّقًا نوعيًا في التجارة واللوجستيات، ويقوّض قدرة إيران على استثمار موقعها الجغرافي كمصدر قوّة، فاتحًا الباب أمام إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليميّ بشكل غير مسبوق. وفي هذا السياق، يبقى لبنان خارج المعادلة، بما يعكس هشاشة وضعه السياسي والاقتصادي ويبرز تحدّيات قدرته على المشاركة في المشاريع الاستراتيجية الكبرى.