أورور كرم

الحلّ في غزة ينسف سردية طهران ويفتت محورها

5 دقائق للقراءة
سيجد نظام الملالي نفسه مضطرًا لمواجهة الشعب الإيراني (رويترز)

كأن الرموز والأرقام والتواريخ تلعب أيضًا على عكس ما يشتهي "محور الممانعة"، إذ ها هي نهاية حرب غزة ترتبط ببدايتها، وها هي حرب غزة تشرف على الانتهاء بلا سلاح "حمساوي"، وبلا أي دور لـ "حماس" في المرحلة السياسية التالية. وخروج الحركة من المشهد السياسي والعسكري يعني حتمًا خروج إيران من القضية المحورية الفلسطينية، بعد ما تلطّت بقدسية هذه القضية على مدى أكثر من أربعة عقود، ليس نصرةً للشعوب المظلومة أو لمصالح الفلسطينيين، بل خدمة لمشروعها الكامن بتصدير ثورتها الإسلامية وخلق قوة ردع إقليمية تبعد عنها المخاطر وتؤمّن لها حرّية العمل على تطوير مشروعها.

فمنذ سنوات، بنت إيران خطابها السياسي على معادلة ثابتة: "المقاومة المسلّحة في غزة، لبنان، اليمن والعراق هي خط الدفاع الأوّل ضدّ المشروع الصهيوني"، وبالتالي هي الورقة الرابحة بيد طهران في أي مواجهة مع الغرب. لكن اليوم المعادلة تبدّلت مع قبول "حماس" والفصائل الحليفة بوقف النار والدخول في عملية سياسية برعاية دولية. فالحجة الإيرانية فقدت بريقها، والسردية التي سوّقتها إيران طويلًا لم تعد تقنع الشارع العربي ولا الإسلامي، والدليل على ذلك الترحيب السعودي والإماراتي والقطري والمصري والأردني والتركي والباكستاني والإندونيسي واللبناني، بإعلان موافقة الحركة على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شأن غزة.

وبالتالي، فإن المضي قدمًا في تنفيذ عناصر الخطة الأميركية يُترجم في الواقع إلى ما هو أبعد من هدنة في قطاع غزة المدمّر: إنه ضربة استراتيجية لإيران وسرديتها في المنطقة. فخطة ترامب لا تقتصر على غزة وحدها، بل تضع أسسًا لشرق أوسط جديد خالٍ من التطرّف والإرهاب والجماعات المسلّحة الخارجة عن الدولة. نجاحها يعني خلق واقع فلسطيني جديد: دولة منزوعة السلاح، إعادة إعمار بضمانات دولية، واندماج تدريجي في الاقتصاد الإقليمي، ووقف النزاعات والتطرّف، ما يؤدّي عمليًا إلى إضعاف، لا بل إلغاء الدور الإيراني الذي ارتكز أساسًا على تسعير النزاعات وتغذية الميليشيات ونشر السلاح والفوضى.

فبدل أن تخرج غزة غدًا من الحرب بصورة المقاومة التي لا تقهر، ستظهر كمنطقة مدمّرة شغلتها حرب غير مفهومة الأسباب ولا الأهداف، وكمنطقة منكوبة تدفن أمواتها وتبحث عن إعادة إعمار واستقرار وتنمية، وتترك وراءها خطاب التجييش والشعارات. ستخرج غزة إلى غدٍ بلا "ممانعة". صحيح أن "حماس" لن تتبخر، لكن دورها سيتقلّص كما سابقاتها من حركات "المقاومة" المنتشرة على ساحات إيران المفتتة. هنا بالتحديد، تتحوّل حركات "المقاومة" من أدوات نفوذ إيراني إلى عبء على طهران نفسها، إذ تجبرها على التراجع نحو الداخل، حيث ينتظرها مواجهة الداخل الإيراني الذي يسأل: ماذا جنت الجمهورية الإسلامية من كلّ هذه المغامرات؟ خصوصًا في ظلّ العقوبات الغربية الأخيرة.

من هنا، فإن الإيرانيين يواجهون ارتفاعًا غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية والسلع اليومية، بعد إعادة فرض العقوبات الأممية الشهر الماضي. فإيران التي خسرت "وحدة الساحات"، ها هي اليوم تخسر أكثر فأكثر قيمة العملة الإيرانية التي سجّلت مستويات متدنية جديدة، ما ضاعف من تكاليف المعيشة. مقاطع فيديو بالجملة تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر أشخاصًا يعرضون مشتريات بسيطة من الفاكهة أو البيض، منتقدين السلطات بسبب ما وصفوه بسوء الإدارة الاقتصادية، ومتهكّمين على تصريحات المرشد الأعلى علي خامنئي بأن العقوبات لا تأثير لها. حتى وصل الأمر بالإيرانيين إلى السخرية عبر مقارنة ارتفاع أسعار التمر الذي يُستشهد به على أن النبي والأئمة عاشوا على الخبز والتمر، واليوم بات سعر العلبة الصغيرة يوازي 3.4 دولارات، علمًا أن الحدّ الأدنى للأجور في إيران لعام 2025 بلغ نحو 94 دولارًا فقط، ما يزيد من حدة الأزمة المعيشية والقلق الشعبي.

انعكاسات استقرار غزة لن تطول طهران فحسب، بل ستتردّد على كافة ساحات المحور السابقة، ولعلّ أهمّها لبنان والعراق، اللذان سيكونان أيضًا أمام واقع جديد. ففي لبنان، حيث اعتمد "حزب الله" على معادلة "المقاومة" لتبرير سلاحه وتثبيت حضوره في المعادلة الداخلية، فإن التسوية في غزة التي دُمّر لبنان لمساندتها، ستقوّض هذا المبرّر، وتجعل "الحزب" في مواجهة الداخل: لماذا الإبقاء على سلاح خارج الدولة في وقت تحتاج فيه البلاد إلى إنقاذ اقتصادي وإعادة بناء المؤسّسات؟ ولماذا الحفاظ على هذا السلاح شمال الليطاني بعد أن سلّمت قيادته بنزعه جنوب الليطاني؟ وإلى متى يستمرّ "حزب الله" في تسخير لبنان وشعبه خدمة لمصالح إيرانية؟

أمّا في العراق، فالنفوذ الإيراني قائم أساسًا على ميليشيات تحمل شعار الدفاع عن فلسطين أو مواجهة المشروع الأميركي. لكن مع تراجع هذا الشعار بفعل التسوية في غزة، ستجد هذه الجماعات نفسها بلا غطاء معنوي أو شعبي، وتتحوّل تدريجيًا إلى عبء على الدولة العراقية التي تحاول الخروج من أزماتها المتراكمة.

التقدّم في الخطة الأميركية يضع إيران أمام استحقاق غير مسبوق: بدل أن تواجه إسرائيل في ساحات الآخرين، ستجد نفسها للمرّة الأولى مضطرّة لمواجهة شعبها. فعندما تخسر "مسرحيات الممانعة" في غزة ولبنان واليمن، ستنكشف أمام الإيرانيين كسلطة تستثمر ثرواتهم في صراعات لا تعود بأي فائدة على الداخل. عندها، كل الحجج التي رفعتها عن تحرير فلسطين والدفاع عن القدس ستنهار، وبدل الدفاع عن القدس سيطالبها شعبها بالدفاع عن الريال والنفط والغاز والثروات والكهرباء والإنترنت... والعيش الكريم، بسلام.