من طبيعة الجماعات أن تنكمش على نفسها حينما تشعر بخطر وجودي يحمل طابعًا هوياتيًا، وأن تسعى إلى تبني آليات دفاعية تنبع من الموروث الديني والاجتماعي، تسهم في بروز بعض التنظيمات المتطرفة. بيد أن دراسة الحالة العلوية في لبنان تظهر النقيض. فبعدما كانت التوقعات تميل عقب سقوط نظام الأسد إلى إمكانية حصول توترات على مستوى الفضاء العام المشترك مع السنة، بيّنت التطورات على أرض الواقع أمرًا معاكسًا.
ذلك أنه كانت ثمة ديناميات داخلية ناشئة خلال السنوات الماضية تعمل على تخليص القرار العلوي من تأثير الحالة الميليشياوية التي خلقها نظام حافظ الأسد في الثمانينات، واستمرت تجثم على صدر أبنائها حتى الأمس القريب، بدعم مباشر من "حزب الله"، وتدفعهم نحو خيارات كارثية، ظهرت آثارها في سنوات ما بعد الصراع الأهلي المصغر في طرابلس.
إذ عانى العلويون من صعوبات جدية في إعادة الاندماج ضمن المجتمع، في ظل عدم رغبة القيادة التي فرضت عليهم، والمتمثلة بعائلة علي عيد، تأدية هذا الدور الذي ينهي تأثيرها، لصالح الاستمرار في الدعاية التخويفية من الآخر السني، في موازاة انعدام مبادرة جدية عند النخب السنية، وخصوصًا مع بروز حالة فراغ قيادي في السنوات الأخيرة.
في انتخابات 2022 النيابية، أفرزت النتائج فوز نائبين علويين جديدين. الدكتور أحمد رستم، المتحالف مع وليد البعريني، وكان تأثيره محدودًا بسبب عدم وجود إشكاليات اندماج جدية في عكار حيث يبرز الطابع الريفي وتتشابك خيوط الحرمان بين جميع الأطياف. والدكتور حيدر ناصر، الذي دخل البرلمان من بوابة قوى التغيير، وأثار تأييده المقاومة ضد إسرائيل الكثير من الانتقادات بداية.
بيد أنه أطلق مواقف أظهر من خلالها تمايزًا عن "حزب الله" في المسائل الداخلية، وفي طريقة تعامله مع العلويين، واتبع سياسة انفتاح على رئاسة الحكومة ودار الفتوى والنخب السنية، ما مكّنه من استقطاب نخب علوية تسعى إلى التخلص من تأثير التبعية، والدفع نحو إجراء انتخابات في المجلس الإسلامي العلوي.
لم تحمل النتائج التغيير المنشود بفعل نفوذ "الحزب" وتحالفه مع نظام الأسد، واستمرارية تأثير مرجعية آل عيد الذين كانوا يتحكمون بتنصيب رجال الدين، لكنها أحدثت خرقًا مؤسّسيًا سعى ناصر إلى توظيفه لتشكيل أداة ضغط لمنع المجلس من الانجراف في خيارات تعود بالسلب على وضعية مأزومة. فيما تلاقت الدينامية التي كانت تتطور تدريجيًا مع انفتاح السعودية عبر سفيرها الدكتور وليد البخاري على الطائفة العلوية، لتشكيل شبكة أمان غداة سقوط نظام الأسد، حالت دون حصول إشكالات تهدّد الوئام المجتمعي الهشّ في لحظة شديدة الاضطراب.
ومع التطورات في سوريا، وخصوصًا أحداث الساحل التي أدت إلى موجات نزوح كثيفة، ارتفع تأثير الخطاب الذي تبنّاه ناصر، المعارض لهيمنة "الحزب" ولامبالاته بمعاناة العلويين، وتعريضهم لخطر تجدّد الأحداث من خلال احتضان رموز النظام السابق وتسليطها لشن هجمات على الحكم الجديد، في الوقت الذي يعمل على فتح قنوات تواصل خلفية مع دمشق.
تشير المعلومات إلى أن "الحزب" استغل نفوذه لمنع وصول مساعدات مالية إلى النازحين للخروج من أماكن الإيواء واستئجار مساكن، مرسلة عبر قنوات مؤسسية من جمعيات في المهاجر، من أجل إبقاء الطائفة رهينة خياراته القاتلة، محاولًا تعويضها ببعض الحصص الغذائية، ما أثار موجة غضب تفاعلت مع الدينامية المُشار إليها. كما تبين المعلومات نشوء تحالف بين النائب ناصر ورئيس المجلس الإسلامي العلوي الأسبق الشيخ محمد عصفور، يستهدف إحداث تغيير عبر الطرق القانونية، وإجراء انتخابات لتظهير موازين القوى الجديدة في المجلس، خصوصًا أنه يتم التعامل معه كممثل أساسي للطائفة.
وبينما سعت القيادة المرتبطة بآل عيد إلى توظيف الانفتاح السعودي من أجل ترويج دعمها لغطاء مرجعي احتكاري، فإن إلقاء رئيس المجلس العلوي كلمة في احتفالية تأبين هاشم صفي الدين أعطى إشارة سلبية، فيما أتت زيارة السفير البخاري إلى النائب ناصر لتقوّض هذه الدعاية، وتعيد التأكيد على بعد الموقف السعودي عن الحسابات الداخلية الضيقة، وتركيزه على احتضان المكونات اللبنانية لتخفيف الهواجس الهوياتية، وتعزيز اندماجها في مسيرة نهوض الدولة. وهذا بالضبط ما تسعى إليه الدينامية الناشئة في المجتمع العلوي لإنتاج تعددية تنافسية تساعد على الخروج من التقوقع.