شربل صيّاح

أهلاً بقداستكم، ولكن مهلاً…

4 دقائق للقراءة

قداسة البابا لاوون الرابع عشر،

في زيارتكم الميمونة إلى لبنان، هذا البلد الصغير بحجمه، الكبير برسالته، نوجّه إليكم هذه الرسالة الصادقة، لا من موقع المديح ولا من موقع العتب، بل من موقع الحقيقة العارية التي لا تزيّنها الكلمات. فلبنان اليوم، يا قداسة الحبر الأعظم، ليس بحاجة إلى دعمٍ ظرفيّ أو تأييدٍ شكليّ، بل إلى إدراكٍ عميقٍ من أصدقائه وحلفائه، وفي طليعتهم الكرسي الرسولي، لطبيعة أزمته الوجودية وصيغته السياسية التي شاخت ولم تعد تصلح لزمننا.

لبنان، هذا البلد العربي المحيط، الذي يرأسه تقليدياً رئيسٌ مسيحي كاثوليكي مشرقي، ليس مشروعاً يحتاج إلى وصاية، ولا ساحةً لتجارب المحاور، ولا مختبراً لصيغ التعايش الفاشلة. هويته معروفة، راسخة، ومتعددة. لم يبحث يوماً عن هوية بديلة، بل سعى إلى تثبيت هويته الوطنية المميّزة التي تجمع ولا تفرّق، والتي طالما تغنّى بها أسلافكم من البابوات، وعلى رأسهم القديس يوحنا بولس الثاني الذي قال: «لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة». غير أن هذه الرسالة، في صيغتها المركزية الهشّة التي استُهلكت منذ عقود، لم تعد قادرة على الصمود.

لا يطلب لبنان أن ينخرط في محور، ولا أن يبني سردية وطنية جديدة تستند إلى شعارات العيش المشترك التي ثبت عجزها، بل يطلب من الكرسي الرسولي، في هذا الظرف المفصلي، إعلاناً صريحاً وشجاعاً بأن الصيغة السياسية الراهنة للبنان لم تعد صالحة للاستمرار. هذه الحقيقة، يا قداسة البابا، يجب أن تُقال من على منبر بيروت، لا همساً في الكواليس.

ومن يقول لكم عكس ذلك، اسألوه هذا السؤال البسيط:

كم من لبنانيّ يهاجر سنوياً؟ وكم من المسيحيين، أبناء كنيستكم المشرقية، يغادرون أرضهم أو يفكرون بالرحيل؟

اسألوه عن إرادة الشعب اللبناني، وعن الشباب المسيحي الذي يفترض أن يكون ركيزة المستقبل. ففي حين نشهد في نشاطات الفاتيكان عودة لافتة للشباب الأوروبي إلى الإيمان المسيحي، لا نجد في لبنان حراكاً موازياً يعكس رغبة شبابه في بناء وطنهم، بل على العكس، نجد نزيفاً مستمراً للعقول والطاقات نحو المهاجر.

لقد علّمَتنا الحروب أن التمنيات لا تصنع الأوطان، وأن المواقف المواربة لا تحمي الأقليات. وفي حقبات مضت، لم يكن موقف الفاتيكان دائماً كافياً لإنصاف المسيحيين المشرقيين، وخصوصاً في لبنان. واليوم، الفرصة أمامكم لتصحيح المسار التاريخي. قولوا من بيروت، بوضوح لا لبس فيه، إن الكرسي الرسولي يعتبر مسيحيي لبنان أولوية وجودية، لا مسألة رمزية. فعندما يشعر المسيحيون في لبنان بالأمان والقدرة على لعب دورهم الوطني الكامل، يرتاح المجتمع اللبناني كله، ويزدهر شريكه المسلم، وينهض الوطن من كبوته.

إن الصيغ التي يمكن أن تضمن هذا المستقبل قد تكون فدراليّة ، أو أي نموذج جديد يحرّر لبنان من تجاذبات المنطقة، ويعيد له دوره الطبيعي كواحة حرية وتعدّد. وإن لم تنجح هذه المساعي، فعلى الكرسي الرسولي أن يدرك تماماً و يدعم بموقف صريخ ما قاله البطريرك الراحل نصرالله بطرس صفير، زميل بابوات روما:

«ما بين العيش المشترك والحرية، نختار الحرية.»

قداسة البابا،

لبنان لا يطلب منكم معونات، ولا ينتظر بيانات دعم دبلوماسية، بل يطلب منكم موقفاً تاريخياً يوازي خطورة المرحلة. فهذه الأرض التي أعطت الكنيسة قديسين ومفكرين وشهداء، تستحق أن تُقال فيها الحقيقة بجرأة، وأن يُعلن منها عهد جديد يُعيد للبنان رسالته الحقيقية لا صورتها المتصدّعة.

من بيروت، من قلب المشرق، نوجّه إليكم هذه الكلمة الصريحة:

لبنان لا يحتاج أن يُرمّم ما تكسّر في صيغته القديمة، بل يحتاج إلى وعي عالمي، وفي طليعته وعي الكرسي الرسولي، لحقيقة ما آل إليه وضعه. فإما أن يُقال هذا الموقف اليوم، وإما أن يكتب التاريخ غداً أن لبنان ضاع معلقاً على صلبانه المتكرّرة، لأنه لم يجد سوى من يقول له إن كنت فعلاً رسالة حرّية… فانزل عن الخشبة.