الدكتور سايد حرقص

الدولة الدينية بين هرتزل والخميني

3 دقائق للقراءة

يشكّل كتاب دولة اليهود (1896) لتيودور هرتزل وكتاب الحكومة الإسلامية (1970) لروح الله الخميني محطتين بارزتين في تطوّر الفكر السياسي الديني المعاصر. ورغم التباين في السياقات التاريخية والدينية، إلا أن المشروعين يلتقيان عند منطلق جوهري: إقامة دولة دينية تستند إلى موروثات شعبية – عقائدية، وتستمد شرعيتها من نصوص مقدسة يُنظر إليها باعتبارها تشريعاً إلهياً منزَّلاً. في كلا التصورين، يُمنح "حق مقدس" لجماعة محددة بالسيطرة على الوطن، فيما يُقصى الآخرون عبر رفض الاندماج والمساواة. كما يوظّف كل مشروع خطاب المظلومية التاريخية أداةً للتعبئة وتبريراً لقيام الدولة.

اعتمد هرتزل على التوراة وعلى قصة وعد الله لليهود بـ"أرض الميعاد" ليبرّر إقامة وطن قومي لهم في فلسطين. وقد شكّل تاريخ الاضطهاد اليهودي في أوروبا، من محاكم التفتيش إلى مذابح روسيا وصولاً إلى الهولوكوست، خلفيةً جعلت من الدولة اليهودية مشروع "خلاص وجودي". أما الخميني فاستند إلى سردية المظلومية الشيعية الممتدة منذ حرمان الإمام علي من الخلافة مروراً بكربلاء، وصولاً إلى فترات التهميش التاريخي، وانتهاءً بقمع نظام الشاه المدعوم غربياً للحركات الإسلامية. تحوّلت هذه المظلومية إلى وقود عقائدي لتسويق مشروع "ولاية الفقيه" كنظام حكم بديل.

في كلا المشروعين، لا تُفهم الدولة على أنها عقد اجتماعي بين مواطنين أو ثمرة إرادة مدنية حرة، بل كامتداد مباشر للإرادة الإلهية، تتجاوز القوانين الوضعية وتعلو عليها.عند هرتزل، الوطن حصراً لليهود، إذ لا مجال للتعايش أو الاندماج مع المجتمعات الأخرى.عند الخميني، الشرعية السياسية لا تُمنح إلا للمؤمنين الملتزمين بولاية الفقيه، أما الآخرون حتى وأن آمنوا بالإسلام فيبقون على هامش النظام.

رأى هرتزل أن اندماج اليهود في أوروبا مستحيل، وأن الحل الوحيد يكمن في إقامة كيان منفصل. وبالمقابل، رفض الخميني أي نموذج سياسي غربي أو علماني، معتبراً أن لا بديل عن حكم الإسلام. النتيجة في الحالتين هي رفض صيغة المواطنة المتساوية، لصالح هوية دينية مغلقة تميّز بين "أصحاب الحق" و"الآخرين".

في الفكر الصهيوني، يُنظر إلى اليهود باعتبارهم "شعب الله المختار"، أصحاب الامتياز المطلق في الأرض. وفي نظرية ولاية الفقيه، يُمنح الفقيه سلطة عليا فوق المجتمع، ويُعطى أتباعه المؤمنون مكانة تفوق بقية الناس. وهكذا تقوم الدولة في كلا النموذجين على تراتبية دينية تجعل جماعة محددة أعلى شأناً من باقي السكان.

تكشف المقارنة بين دولة اليهود لهرتزل والحكومة الإسلامية للخميني أن الاختلاف في الدين والسياق لا يلغي التشابه الجوهري بين المشروعين. فكلاهما يقوم على فكرة الدولة الدينية الصافية التي تستمد شرعيتها من النص المقدس، وتوظّف المظلومية التاريخية كحجة شرعية لتأسيس كيان خاص بجماعة دينية بعينها. وفي الحالتين، لا تُعرَّف الدولة باعتبارها فضاءً للمواطنة المتساوية، بل إطاراً مغلقاً يكرّس التمييز ويمنح "الحق المقدس" لفئة على حساب أخرى.