في العاشر والحادي عشر من أيار سنة 1997، خطّ البابا يوحنا بولس الثاني واحدة من أبرز محطات تاريخ لبنان الحديث، في زيارة حملت دلالات روحية وسياسية بالغة. جاءت الزيارة بعد سنوات من الإحباط الذي عاشه المسيحيون، في ظل تكريس الوجود السوري كسلطة أمر واقع، فشكّلت لحظة استثنائية، أعطت أمل للمسيحيين في لبنان.
رسائل البابا آنذاك أعادت إلى اللبنانيين شعور الدعم والسند الدولي، وأبرزت لبنان من جديد كنموذج للتعايش ورسالة حضارية في الشرق. وعلى الرغم من أنّ ثمار الزيارة لم تظهر فورًا، إلّا أنّها ساهمت في إعادة الاهتمام العالمي بالقضية اللبنانية، وصولًا إلى التحولات الكبرى التي أفضت إلى خروج الجيش السوري عام 2005.
اليوم وبعد أكثر من ثمان وعشرين سنة، يتحضّر البابا لاوون الرابع عشر لزيارة لبنان وتركيا، في زيارةٍ هي أولى له خارجيًا منذ تسلمه مقاليد خلافة بطرس في 8 أيار 2025، حيث أعلن رئيس دار الصحافة الفاتيكانيّة ماتيو بروني ظهر الثلثاء 7 أكتوبر، أنّ البابا لاوون الرابع عشر سيزور تركيا من 27 إلى 30 تشرين الثاني المقبل، لينطلق بعدها إلى لبنان في زيارة تمتدّ ثلاثة أيّام بين 30 تشرين الثاني و2 كانون الأوّل.
وقال الرئيس جوزاف عون عن زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان: "لحظة تاريخية تعيد التأكيد على حضور وطننا ودوره في قلب الكنيسة".
يعوّل المسيحيون في الشرق، وفي لبنان خصوصًا، على هذه الزيارة التي تُعدّ أول زيارة كنسية رفيعة بعد زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر للبنان عام 2013، وأول زيارة تأتي بعد الانهيار الاقتصادي، وانفجار مرفأ بيروت، والحرب الإسرائيلية على لبنان.
يعيش المسيحيون منذ سنوات واقعًا صعبًا، ساهم في هجرة عدد كبير من الشباب الذين أسّسوا في الخارج حياة جديدة لهم ولعائلاتهم، فيما خسر المسيحيون "الأرض" نتيجة البيع العشوائي الذي فَرضته الظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية.
هذه الزيارة، كان من المقرّر أن يقوم بها البابا الراحل فرنسيس الأول، إلا أنّها تأجّلت بسبب حالته الصحية آنذاك، لتأتي اليوم بمثابة دعم متأخر من الفاتيكان لـ"لبنان الرسالة"، كما وصفه البابا يوحنا بولس الثاني، وللواقع المسيحي المتأزّم.
وتأتي زيارة لبنان في إطار زيارة تركيا لإحياء مرور 1700 عام على انعقاد المجمع المسكوني الأول في تاريخ الكنيسة الجامعة، الذي عُقد في مدينة نيقية خلال القرن الرابع الميلادي، حين اجتمع قادة المسيحيون برعاية الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول لحسم مسألة عقدية تتعلّق بطبيعة الابن. وقد توصّل المجمع إلى اتفاق بين جميع الكنائس على صيغة واحدة تُقرّ بأن الأقنوم الثاني (الابن) مساوٍ للآب في الجوهر، وصدر عنه قانون الإيمان الذي لا يزال معتمدًا حتى اليوم في جميع الكنائس شرقًا وغربًا.
وعلى الرغم من أنّ واقع المسيحيين في مطلع القرن الرابع الميلادي كان مشرذمًا، وأنّ بوادر الانقسام قد بدأت بالظهور بشكلٍ عمودي، فإنّ مجمع نيقية شكّل محاولةً من الإمبراطور قسطنطين الأول لإعادة توحيد المسيحيين تحت كلمةٍ واحدة، ومنع الانقسام والانفصال. وقد نجحت مساعيه حينها، لكنّ الانقسام ما لبث أن عاد مجددًا، وبلغ ذروته في القرن الخامس الميلادي مع مجمع خلقدونية، حيث سُجِّل أول انشقاقٍ رسمي بين الكنائس في التاريخ.
واقعٌ يشبه إلى حدّ كبير واقعنا المسيحي في الشرق الأوسط ولبنان، حيث يعاني المسيحيون من مختلف أنواع الاضطهاد والعزل، سواء في سوريا أو العراق أو مصر وصولًا إلى لبنان، وسط واقعٍ مستقبلي لا يبشّر بالخير، نتيجة ازدياد التعسّف وارتفاع أعداد المهاجرين من أبناء هذا الشعب إلى الاغتراب. واقعٌ يدركه الجميع، لكنّ الجميع في الوقت نفسه يأبى أن يتنازل أو يصغي إلى معاناة شعبه، أو أن يتّحد مع الآخر لتفادي هذه الكوارث.
زيارة الأب الأقدس في هذا الواقع، وفي رمزيتها كأول زيارة بابوية رسمية يقوم بها البابا الجديد خارج روما، تشكّل دلالة أكيدة على أنّ البابا يريد أن يعيد الأمل إلى هذا الشعب، وينفخ فيه روح الوحدة من جديد، ليفتح أمامه باب الرجاء ليكون شعبًا واحدًا يواجه الأزمات ويتغلّب عليها، وليبقى في هذه الأرض علامة تنوّعٍ وغنى في هذا الشرق الذي خرجت منه الكنيسة الأولى، إذ "في أنطاكية دُعينا أولًا مسيحيين."
وبالعودة إلى مجمع نيقية الأول، سنتوقّف عند بعض الجوانب اللاهوتية التي طُرحت خلاله، تمهيدًا لفهم البُعد اللاهوتي الذي نتج عنه، وجعله يشكّل نقطةً مفصلية في تاريخ الكنيسة:
قبل نحو 1700 عام، وتحديدًا سنة 325 م، التأم في مدينة نيقية (التي تقع اليوم في شمال غرب إسطنبول التركية) مجمع ضخم دعا إليه الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول. شارك فيه حوالي 318 أسقفًا من مختلف أقاليم الإمبراطورية، يرافقهم عدد من الكهنة والشمامسة. اجتمعوا لمناقشة خلاف قد طرأ على العالم المسيحي آنذاك، وهو الخلاف على طبيعة الابن (المسيح) وعلاقته بالله الأب.
يُعتبر هذا المجمع هو أول مجمع مسكوني في تاريخ الكنيسة، وكلمة "مسكوني" تعني جامعًا، أي شاملاً لكنائس الشرق والغرب. وقد جاء بعد أن خرجت المسيحية حديثًا من زمن الاضطهاد، مع اعتراف الإمبراطور قسطنطين بها وإعلانه حرية العبادة بموجب مرسوم ميلانو عام 313 م.
لم يكن هذا الحدث فعل لحظة عابرة، إنما جاء نتيجة لنقاشات كثيرة حيكة بين المسيحيين، وتحديدًا في القرنين الثاني والثالث الميلادي، تمحور النقاش بالعلاقة التي تربط الآب مع الابن، والتي ظهرت أولى ملامح الخلاف مع جماعة اسمها السابيليانية (Sabellianism) التي علّمت أن الآب والابن مجرد "أطوار" مختلفة لإله واحد، فرفضها كثير من الآباء لأنها تذيب التمييز بين الأقانيم، وصولا الى التبعيض (Subordinationism)، وهم جماعة من بعض اللاهوتيين (مثل أوريجانس) تكلموا عن أن الابن أقل مرتبة من الآب، لكن دون إنكار ألوهيته.
هذه التيارات مهّدت الأرضية لفكر أريوس، الراهب والكاهن، الذي ذاع صيته في منطقة واسعة من الشرق، والذي كان يعلم أنّ اللوغوس (الابن) إله، ولكنه إله مخلوق وليس من جوهر الآب. وإنه كائن وسيط بين الله الإله الحقيقي (الآب) وبين العالم المخلوق لأنه لا يليق أن يتصل الله بالخليقة، وأنه أسمى من أن تكون له علاقة مباشرة بالخليقة. فكيف يخلق الله العالم أو المادة وهو منزه عن هذا؟ لذلك استخدم اللوغوس، وهو كائن أقل وأدنى من الله، كأداة لخلق العالم. وبهذا فلسف عبارة "كل شيء به كان" (يو1: 3). وقال أن هذا الكائن الوسيط والأدنى لا يمكن أن يكون مساو لله في الجوهر والأزلية.
كما فلسف أريوس عبارة "الذي هو قبل كل شيء" (كو1: 17) فقال أن عبارة "كل شيء" لا تشمل اللوغوس (الابن) ولكن المقصود بها كل الأشياء الأخرى، لأن الزمن في اعتقاده بدأ مع الخليقة.
حاجج أريوس شماسٌ مصري يُدعى أثناسيوس، الذي ردّ على كلّ حججه وأوضح أن الابن مشارك الأزليّة نفسها للآب، وأن الكلمة "الابن" الله مساوٍ لله الآب لأنّ التضحية على الصليب لا يمكن أن تكتمل إذا كان الابن غير كامل، ردٌّ جعل موقف أريوس اللاهوتي ضعيف أمام الحاضرين. حيث صوّتت الأغلبية على اقتراح أثناسيوس، مع اعتراض حوالي سبعة عشر صوتًا فقط. ووضع المجمع بعد ذلك قانون الإيمان، ووقّع على قرار حرم أريوس وأتباعه. وبعد هذا القرار، أمر الملك بنفيه وحرق كتبه، وإعدام من يتستر عليها. كما حُرمت أيضًا بدعة سابليوس الذي قال إن "الآب والأب والروح القدس أقنوم واحد" وليس ثلاثة أقانيم.
وقد نظر المجمع في بعض أمور أخرى خاصة بالكنيسة وهي:
1- مسألة تحديد يوم عيد القيامة وهو الأحد الذي يلي البدر الذي فيه عيد اليهود حتى لا يعيدوا قبل اليهود ومعهم.
2- النظر في أمر الشقاق الذي أحدثه ميلتس الأسقف لأنه رسم أساقفة وقسوس بلا رأى رئيسه فحكم المجمع بإقامته في بلدته مسقط رأسه ولا يمارس أي وظيفة كهنوتية.
3- النظر في معمودية الهراطقة، وقرر المجمع بأن لا تعاد معمودية من هرطق ورجع إلى الإيمان مرة أخرى.
4- أن يكون ذوى الكهنوت من أصحاب الزوجات والذي دافع عن هذا الأمر بشدة وعضده هو القديس بفنوتيوس أسقف طيبة، واكتفى المجمع بالحكم على الكهنة المترملين بعدم إعادة الزيجة.
وسَنَّ المجمع بعد ذلك عشرين قانونًا مازالوا موجودين إلى هذا العصر.