تُقدم السياسة الخارجية الإيرانية معادلةً لافتةً ومُعقدة، تجمع بين النقيضين: دبلوماسية حذرة لحماية أمنها القومي، وحروب بالوكالة تُدار على أراضي الآخرين، تحديدًا في لبنان. فبينما يُطلق المسؤولون الإيرانيون تصريحات تُركز على أهمية "الحل الدبلوماسي" لتجنب التصعيد وحماية المصالح الإيرانية، يرفع عملاؤهم في لبنان، وعلى رأسهم "حزب الله"، خطابًا معاكسًا تمامًا. هذا الخطاب يُدين أي دعوة للحلول السلمية أو لنزع السلاح، ويصف المطالبين بها بالعمالة والخيانة.
هذه الازدواجية ليست مجرد تباين في المواقف، بل هي جزء من استراتيجية مُحكمة؛ إذ تستخدم طهران الدبلوماسية كأداة لحماية عمقها الاستراتيجي وتخفيف الضغوط الدولية، بينما تُصدّر التوترات إلى ساحات خارجية مُناسبة للعمل العسكري والسياسي بالوكالة، خاصة لبنان.
تواجه إيران كدولة مركزية في المنطقة العديد من التحديات خاصة بعد انهيار حليفها الاستراتيجي بشار الأسد وهزيمة "حزب الله" في حرب الإسناد وتعرض برنامجها النووي وأمنها لضربة اميركية - إسرائيلية مدمرة.
في ظل هذه الظروف ومع تزايد العقوبات الدولية والضغوط السياسية والاقتصادية ، تُصبح الدبلوماسية بالنسبة لإيران خيارًا براغماتيًا لتجنب تكلفة أي حرب مباشرة. تصريحات وزير الخارجية الإيراني، التي تؤكد على أن "الحوار هو السبيل لتجنيب المنطقة الانفجار"، ليست ناتجة عن مثالية سياسية، بل عن اعتبارات مصلحية بحتة.
في المقابل، يُوظَّف لبنان كجبهة متقدمة في مواجهة خصوم إيران. تُقدم هذه الجبهة بديلاً فعالاً عن أي مواجهة مباشرة قد تضرّ بالأمن الإيراني. تُشكل البيئة اللبنانية، التي تُعاني من ضعف مؤسسات الدولة وغياب القرار السياسي الموحد، ساحةً مثاليةً لتوظيف السلاح كأداة لخدمة المعادلة الإقليمية الإيرانية.
وهنا تتلاشى أي فرصة للنقاش الداخلي حول جدوى بقاء السلاح الذي اثبتت الحرب الأخيرة عدم جدواه في مواجهة آلة الدمار الصهيونية المتطورة. كل محاولة تطرح الحل الدبلوماسي أو نزع سلاح "حزب الله" تواجه خطابًا تخوينيًا من مسؤولي الحزب وأنصاره. يوصف المطالبون بالدبلوماسية بأنهم "عملاء"، و"أدوات للخارج" و"صهاينة". هذا الخطاب له أهداف واضحة:
- إقصاء البدائل السياسية: بتحويل أي خيار غير خيار السلاح إلى خيار غير وطني.
- شرعنة استمرار الحرب: بتقديم السلاح كضمانة وحيدة لحماية لبنان، مما يُنزع الشرعية عن الدولة ومؤسساتها.
- إدامة التبعية: إبقاء القرار الأمني والعسكري خارج يد الدولة اللبنانية، وتحت سيطرة الحزب الذي يستمد شرعيته من "خط المقاومة" أكثر من شرعية الدولة.
- تحويل لبنان الى مجرد ورقة: بعد أن فشلت ايران بتحويل لبنان الى جزء من الدولة الخمينية الكبرى، تسعى اليوم الى تحويله الى ورقة تباع في المفاوضات المستقبلية مع اميركا.
تترك هذه الازدواجية بين ايران وعملائها آثارًا كارثية على لبنان، فتُضعف مؤسسات الدولة وتُشلّها عن اتخاذ قرارات سيادية خوفا من حدوث حرب أهلية او صدام بين الجيش وميليشيا "حزب الله" قد يؤدي الى زعزعة وحدة المؤسسة العسكرية. كما يستنزف المدنيون اللبنانيون ثمن كل مواجهة، باعتبار أرضهم ساحةً مفتوحةً للصراع. هذا الواقع يُعيق أي إصلاح اقتصادي أو سياسي، ويُبقي لبنان في حالة من عدم الاستقرار الدائم تحت رحمة الانهيار الاقتصادي والدمار والغارات الإسرائيلية.
لذلك، فإن شعار "الدبلوماسية لأمن طهران، والحرب لأرض لبنان" ليس مجرد وصف عاطفي، بل هو خلاصة لسياسة قائمة على ازدواجية المعايير. فما هو حق لإيران يُحرَّم على لبنان، والدبلوماسية التي تُستخدم لحماية الداخل الإيراني تُستبعد عن لبنان بحجج واهية.
لا يمكن للبنان أن يستعيد عافيته إلا إذا كسر هذه المعادلة عبر تخطي عقدة الخوف واتخاذ قرارات سيادية تحمي البلد وتعيده الى موقعه الطبيعي كواحة للحرية والديمقراطية والمطالبة بحقه أن تكون الدبلوماسية والحياد أداةً لأمنه، لا فقط لأمن الآخرين.