في بلدٍ أنهكه الانقسام والفراغ، جاء انتخاب فخامة الرئيس جوزاف عون مطلع عام 2025 كحدثٍ استثنائيّ أعاد الحياة إلى مؤسسات الدولة بعد أكثر من عامين من الجمود. لم يكن انتخابه مجرّد استحقاق دستوريّ مؤجّل، بل لحظة ولادةٍ جديدة أعادت الثقة بأن لبنان لا يزال قادرًا على النهوض حين تتوافر الإرادة. ومنذ دخوله قصر بعبدا، بدا واضحًا أن عون اختار العمل بمنهج الـ Quick Wins – أي الإنجازات السريعة ذات الأثر الفوري – ليعيد نبض الدولة ويطلق دينامية إصلاحية واقعية تسبق الخطط الطويلة.
أوّل هذه الإنجازات تمثلت في كسر الفراغ الرئاسي وإعادة الانتظام إلى الحياة السياسية. فقد أنهى انتخابه أطول شغور في تاريخ الجمهورية، تلاه تكليف القاضي نواف سلام بتشكيل أول حكومة كاملة الصلاحيات منذ عام 2022، ما أعاد للدولة قدرتها على الفعل واتخاذ القرار بعد سنوات من التعطيل. هذا التحوّل الدستوريّ السريع شكّل أوّل انتصار مؤسّسي حقيقي أعاد للدولة ملامحها.
على المستوى السيادي، اختار عون أن يبدأ من الملف الأصعب: حصرية السلاح. ففي خطاب القسم أعلن بوضوح أن الجيش هو الضامن الوحيد للسيادة، وأن لا شرعية لأي قوّة خارج الدولة. وقد ترافقت مواقفه مع إعادة انتشار للجيش في مناطق حدودية حسّاسة بالتنسيق مع الأمم المتحدة، في إشارةٍ رمزية إلى عودة الدولة إلى الميدان. كانت تلك خطوة جريئة أعادت النقاش حول السيادة إلى موقعه الطبيعيّ: في قلب الدولة لا على هامشها.
وفي الداخل، أطلق الرئيس معركة إصلاحٍ إداريّ هدفها إعادة المحاسبة إلى واجهة العمل العام. أنشأ لجنة لمراجعة التعيينات العليا وفعّل دور ديوان المحاسبة وهيئة التفتيش المركزي، داعيًا إلى اعتماد معايير الكفاءة بدل الولاء السياسي. كما بدأ العمل على مشروع قانون يعزز استقلالية القضاء، مؤكدًا أن العدالة هي أساس الدولة لا امتيازاتها. هذه الإجراءات السريعة لم تُحدث انقلابًا بعد، لكنها أعادت الثقة بأن هناك من يتحرّك بجدية داخل النظام.
خارجيًا، أعاد عون وصل ما انقطع بين لبنان والعالم. فقد استقبل وفودًا من الاتحاد الأوروبي وقطر وفرنسا، وأطلق مبادرة "لبنان محور الحوار"، مؤكدًا أن بيروت يجب أن تكون مساحة تواصل لا ساحة نزاع. كما فعّل التواصل مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لإعادة جدولة الدعم المالي. هذه العودة إلى الدبلوماسية المتوازنة شكّلت أحد أبرز مؤشرات التحوّل في السياسة الخارجية اللبنانية.
اقتصاديًا، أُطلقت خطة إغاثة عاجلة للأسر الأكثر هشاشة بالتعاون مع البنك الدولي، إلى جانب إجراءات لضبط الإنفاق والحدّ من الفوضى المالية. وبحسب المؤشرات الأولية، سجّل مؤشر الثقة الاقتصادية ارتفاعًا بنحو 7 % خلال الربع الأوّل من العام، ما عُدّ أوّل مؤشر ملموس على عودة الاستقرار النسبي.
وفي خطابه الأخير قال الرئيس عون: "لبنان لا يُبنى بالاستقواء على الداخل ولا بالارتهان للخارج، بل بالشراكة والمحاسبة معًا". بهذا الخطاب الهادئ والواقعي، أعاد إلى الرئاسة نبرتها الوطنية الجامعة بعد سنوات من التشنج والانقسام.
قد لا تكون هذه الإنجازات كافية بعد لإخراج لبنان من أزماته العميقة، لكنها تُظهر أن الرئاسة استعادت دورها القيادي، وأنّ الدولة عادت تتحرّك بخطى واثقة. فالمعادلة التي أرساها جوزاف عون بسيطة وواضحة: الإصلاح لا ينتظر المعجزات، بل يبدأ بخطوة صادقة تُعيد الثقة بين الدولة ومواطنيها. وفي زمنٍ تتسارع فيه الأزمات وتتراجع فيه الثقة، جاء هذا العهد ليؤكد أن القيادة ليست في الوعود الطويلة، بل في الأفعال القصيرة التي تُحدث فرقًا. إنها رئاسة السرعة في زمن التردّد… وعهد الدولة في زمن اللادولة.