يشهد الصراع الروسي الأوكراني تصعيداً غير مسبوق خلال الأيام الأخيرة، مع عودة القصف الروسي العنيف واستهدافه الواسع لمدن أوكرانية رئيسية، وتزامن هذه الحملة مع نقاش دولي متصاعد حول تزويد كييف بصواريخ "توماهوك" الأمريكية التي قد تغيّر قواعد الاشتباك. وفي تطور مأساوي، غرقت العاصمة كييف اليوم في ظلام دامس بعد سلسلة ضربات استهدفت محطات الطاقة وخطوط التوزيع الرئيسية، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء والمياه بشكل شبه كامل عن أجزاء واسعة من المدينة، فيما تعمل فرق الطوارئ على إعادة التغذية تدريجياً بينما يصطف السكان أمام نقاط توزيع المياه والملاجئ.
وفق تقديرات عسكرية أوكرانية، اتبعت موسكو في هذه الحملة ما يمكن وصفه بـ"استراتيجية التضليل والتشتيت" على نطاق واسع: أطلقت حوالي خمسمائة طائرة مسيّرة انتحارية من نوع "شاهد" بهدف تشتيت منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية وإجبارها على تبديد الذخائر والقدرات، ثم تبع ذلك إطلاق نحو خمس صواريخ كروز وحوالي عشرة صواريخ باليستية في موجة تصويب مركزة. تقول التقديرات إن هذا النمط من الهجوم — التشتيت الكبير يليه ضربات دقيقة — سمح للمدفعية الجوية الروسية بتحقيق نسبة مخرجات فعّالة ضئيلة على أهداف معينة تقارب 2% من الأهداف التي كانت تسعى لضربها بعد عمليات التضليل، لكن الأثر العام كان كبيراً على البنى التحتية والطاقة. تقارير وتحليلات ميدانية رصدت تكتيك الإغراق والاعتماد على أعداد هائلة من المسيرات كجزء من استراتيجية الضغط المستمرة على خطوط الدفاع الأوكرانية.
في الجبهة الشرقية، تستمر المعارك العنيفة ولا سيما في محور باكروفسك حيث تحاول القوات الروسية ضخ أعداد كبيرة من الجنود في محاولة لاختراق الدفاعات الأوكرانية والتقدم باتجاه كوستياتينيفكا، المدينة ذات الأهمية التكتيكية كونها تشكّل عقدة إمداد ومحوراً دفاعياً لخطوط القوات الأوكرانية في دونيتسك. عناصر من مصادر ميدانية أوكرانية أفادت بوقوع اشتباكات عنيفة واستخدام تكتيكات الموجات البشرية إلى جانب دعم ناري وصاروخي من الجانب الروسي، في حين تؤكد القيادة الأوكرانية أن الدفاعات لا تزال تصد الهجمات وتكبد المعتدين خسائر باهظة.
وعلى صعيد آخر إنقلبت الجغرافيا الإنسانية إلى ملف أمني حساس بعد أن أعلنت السلطات الأوكرانية اعتقال عدد من المقاتلين الأجانب الذين قُدِّموا إلى صفوف القوات الروسية؛ وأفاد مصدر أمني في كييف أن آخر المقبوض عليه كان شاباً هندياً كان طالباً جامعياً ثم جُنّد قسراً في موسكو بعد توقيفه بتهمة تجاوز مدة إقامته، ثم أُرسل إلى الجبهة دون تدريب كافٍ قبل أن يقع أسرى. هذه الحالات، بحسب التحقيقات الأولية، ليست فردية، ما يطرح أسئلة عن أساليب التجنيد والتعامل مع الأجانب في الساحات القتالية.
أعلنت قيادة الدفاعات الأوكرانية أنها اعترضت وأسقطت جزءاً كبيراً من الطلعات المهاجمة، مع تسجيل اعتراضات لعدد كبير من الطائرات المسيرة والصواريخ، لكن ظهور نمط الهجوم الجديد وما رافقه من ضربات بالكروز والباليستية أسفر عن أضرار كبيرة بالبنى التحتية الحيوية، لا سيما محطات الطاقة، وهو ما يؤثر مباشرة على المدنيين مع اقتراب فصل البرد.
في واشنطن، تزايد الحديث الرسمي والإعلامي حول منح كييف قدرات ضاربة بعيدة المدى، وبينما لم تُعلَن كل التفاصيل النهائية علناً، هناك نقاشات رفيعة المستوى داخل الإدارة الأمريكية حول إمكانية تزويد أوكرانيا بصواريخ "توماهوك" أو أدوات دعم مماثلة، وهو ما أثار تحذيرات روسية حادة وتهديدات برد واسعة النطاق إذا ما تم تزويد كييف بهذه الأسلحة. التحركات والبيانات الأمريكية تصدر في سياق موقف يقول إنه يهدف لتعزيز قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها، لكنّ موسكو تعتبر أي تزويد من هذا النوع تصعيداً مباشراً.
الموقف الدولي يظهر متبايناً: الاتحاد الأوروبي عبر عن قلق بالغ ودعا إلى تنسيق دفاعي عاجل، بينما دعت دول كبرى إلى ضبط النفس لتفادي انزلاق الصراع إلى مواجهة مفتوحة بين القوى العظمى. محللون يرون أن تطور تكتيكات الضرب الجماعي باستخدام آلاف المسيرات وصواريخ متنوعة يضع شبه نهج جديد للحرب غير المتماثل، إذ يجعل من الدفاع الجوي هدفاً دائماً لتعديل تكتيكاته وتلقي المزيد من الإمدادات والدعم التكنولوجي.
بينما تتحوّل كييف بالنهار والليل إلى مدينة تكافح الظلام وتوزيع الماء والوقود، وبالتزامن مع زيادة القتال في الشرق وظهور حالات تجنيد قسري لمقاتلين أجانب، يظهر أن الحرب دخلت مرحلة أكثر اعتماداً على الكمّ النوعي من الوسائل الهجومية والضغط الاستراتيجي على المدنيين والبنى التحتية. ومع غياب أفق تفاوضي حقيقي، يبقى السؤال الأخطر: إلى أي مدى سيسمح المجتمع الدولي باستمرار هذا التصعيد قبل أن تتحول المواجهة إلى صدام أوسع يهدد استقرار القارة بأكملها.