أمجد اسكندر

وجاء زمن الاتفاقات

4 دقائق للقراءة

الحروب لها أثمان، والخيارات السياسية أيضًا لها أثمان. «حزب الله» يُبعد عنه هذه الكأس، ويحاول تسويق نظرية الرابح حيث الخسارات في أوضح بياناتها. وعلى ضوء ما حصل في غزة، ولّى زمن «ادعاء الانتصارات» وجاء زمن الاتفاقات، وانتقل لبنان إلى مرحلة يبدو معها تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية والقرار 1701، وقد تخطتهما الأحداث لأنهما كانا فرصة وضاعت… أو تكاد تضيع. وتنفيذًا لمبدأ «الضغوط القصوى» الذي يعتمده دونالد ترامب، كلما تأخر نزع السلاح تقدَّم الحديث عن «اتفاقية أمنية» مع إسرائيل، قد تذهب إلى أبعد من الانسحاب العسكري، لتشمل العلاقات السياسية بين البلدين. وهكذا يتبين الغباء المخيف في مقاربات هذا الفصيل اللبناني الذي تديره إيران. لقد حصل العكس في كل ما ادعاه منذ نشأته.

المهم في غزة ليس فقط زوال حركة «حماس» عسكريًا وإقصاؤها عن حكم القطاع، بل الرعاية العربية والإسلامية للاتفاق الذي قضى عليها وعلى شعاراتها. وما تيسر لغزة من تعاطف عابر للقارات من زاوية المأساة الإنسانية للناس لا للحركة، لم ولن يتيسر لـ «حزب الله»، حيث أفعاله على مدى سنوات ورّطت «بيئته الحاضنة» ووضعتها إلى جانبه في دائرة الرصد والاتهام. هذه المنظمة المصنفة إرهابية على مستوى عالمي واسع، عزلت نفسها ولا يوجد طرف عربي أو إسلامي قادر على احتضانها أو لعب دور الوسيط. حتى إيران غير مؤهلة لهذا الدور. الوساطة حجمها ضئيل إلى حد اسم نبيه بري. هذا ما نحن عليه وهذا ما ينتظرنا بعدما سلكت غزة مسار السلم. كانت «حرب الإسناد» مجانية إلى حد يتخطى الغباء. لم تجرؤ «حماس» حتى على «إسناد كلامي» لـ «حزب الله» في كل جولات التفاوض. لم تُتح لها المطالبة، ولو من باب رفع العتب، بأسير لبناني. من وعود «الطوفان» تبييض السجون الإسرائيلية من الأسرى، والنتيجة بقاء أكثر من عشرة آلاف أسير خارج الصفقة، بينهم كل الذين شاركوا في هجوم السابع من أكتوبر. حتى مروان البرغوثي سيبقى في السجن رغم قلة أحكام المؤبد بحقه. (إسرائيل وضعت معيار 13 مؤبدًا كحد أقصى لمن ستطلق سراحهم. البرغوثي لديه خمسة «مؤبدات»، ورغم ذلك لن يطلق سراحه. في المعتاد كل قتيل إسرائيلي يقابله حكم مؤبد واحد، مثلًا قتلُ ثلاثة إسرائيليين يوازيه ثلاثة «مؤبدات»).

قبل «الطوفان» كانت إسرائيل خارج غزة، اليوم ستبقى في شريط حدودي طويل. مسألة النقاط المحتلة في الجنوب، لا يمكن ربطها بمسألة تسليم السلاح. هل وجود إسرائيل في هذه النقاط أغراضه عسكرية؟ الجواب طبعًا كلا. اللعبة أكبر وحال المراوحة ووهم شراء الوقت قد يمهدان إلى ما يشبه الشريط الحدودي كما أقامته إسرائيل في السبعينات. كانت المقولة «لبنان آخر بلد عربي يوقع اتفاق سلام مع إسرائيل»، يمكن القول أيضًا، إن كل الدول العربية المتاخمة لإسرائيل، والتي كانت تدعى «دول الطوق» لديها الآن اتفاقات بشكل أو بآخر، وربما التعجيل بنزع سلاح «الحزب» يؤخر مسار اتفاق كهذا أو يحسّن شروطه.

من المخارج اللفظية التي تبنتها «حماس» في مسألة سلاحها كانت كلمة «تجميد السلاح» بدلًا من «نزع السلاح». المهم أن هذا السلاح سيكون في عهدة أطراف عربية ليست السلطة الفلسطينية من بينها. فكرة برسم العهد، مع فارق عدم قبول أي طرف عربي أن يوضع السلاح بعهدته، وهذا من حظ السلطة اللبنانية.

السبت الفائت قال الرئيس عون «طالما تمّ توريط لبنان في حرب غزة، تحت شعار إسناد مُطلقيها، أفليس من أبسط المنطق والحق الآن، إسناد لبنان بنموذج هدنتها، خصوصًا بعدما أجمع الأطراف كافة على تأييدها»؟ هذا الموقف المتقدم، من معانيه التأكيد على التطابق الكبير بين الدولة والإرادة الدولية، وسد الذرائع التي يحاول «الحزب» البناء عليها ليتهرب من تسليم السلاح.