جنى جبّور

من "تيك توك" إلى عيادة الأعصاب

Daith Piercing... تريند الوهم لعلاج الشقيقة

4 دقائق للقراءة
لا يوجد دليل علمي على الفائدة

من صالونات الوشم إلى شاشات "تيك توك"، أصبح "ثقب الدايث" (Daith Piercing) حديث الساعة. لم يعد مجرد موضة عابرة، بل انتشر كحل ثوري وعلاج سحري للتخلص من آلام الصداع النصفي المستعصية. قبل ظهور منصات التواصل، كانت الهمسات موجودة، لكنها تحولت اليوم إلى ضجة هائلة بفضل خوارزميات الترويج التي تغزو شاشاتنا. وبما أننا نعيش في عصر يُقنع فيه جيل كامل بما يراه على الإنترنت، سواء أكانت معلومة من مؤثر شهير أم توصية من "شات جي بي تي" بات من الضروري التوقف لحظة. هل يوقف ثقب صغير في غضروف الأذن أشد نوبات الصداع إيلامًا؟ وهل يؤيد العلم "حل التيك توك" هذا؟

لم تعد عيادات الأطباء مكانًا لتبادل المعلومات الطبية التقليدية فحسب؛ بل أصبحت ساحة لمعالجة أسئلة "من الفضاء" مصدرها، بلا منازع، منصات التواصل الاجتماعي. لقد اعتاد الأطباء على هذا التحول الرقمي.

بعد مرحلة كان فيها المرضى ينجزون فرضهم الطبي مع "غوغل"، ويأتون ومعهم "تشخيصاتهم" الذاتية، توسعت مروحة البحث اليوم لتشمل وسائل رقمية أكثر انتشارًا وأسرع وصولًا. فبعدما كان السؤال يتمحور حول ما إذا كان "خل التفاح" يخفف نوبات الصداع النصفي، أصبح الحديث اليوم عن "ثقب الأذن" (Daith Piercing) كعلاج "ثوري" لآلام الشقيقة؛ لذلك كان لا بدّ من التوقف عند رأي اختصاصي الدماغ والأعصاب الدكتور رامي الأتات، الذي استهل حديثه شارحًا أنّ السبب المباشر للصداع النصفي لا يزال غير معروف بالكامل، إلا أننا نفهم جيداً التفاعلات المعقدة التي تنتج هذا الألم المنهك. "في الحقيقة، ينتج الصداع النصفي إثر تفاعل معقد بين الجهاز العصبي وجهاز الأوعية الدموية في الدماغ، يبدأ بتغير في النشاط الكهربائي، مسببًا ما يُعرف بـ "الانتشار الكهربائي الكابت"، وهو موجة من الاضطراب الكهربائي يزيد من النشاط العصبي في الدماغ، تليه فترة من الخمول والهدوء الكهربائي. ويترافق مع تغيرات في الأوعية الدماغية، حيث يحدث اختلال في توازن المواد الكيميائية العصبية (Neurotransmitters/Neuromodulators). وتفاعل العصب ثلاثي التوائم (Trigeminal Nerve): وهو العصب الأكثر تفاعلاً، حيث يؤدي تحفيزه إلى إطلاق مواد التهابية تسبب الشعور بالألم في منطقة الوجه والرأس".

يتميز الصداع النصفي في معظمه بألم ينبض في جهة واحدة من الرأس، ويمكن أن يمتد ليشمل الجانبين. تترافق نوباته، التي تستنزف طاقة المريض، مع أعراض مختلفة وشديدة مثل الغثيان، والقيء، والتعب الشديد.... تتراوح مدتها من 4 ساعات وحتى 72 ساعة.

أمّا خطة العلاج فتفصّل لكل مريض على حدة، اعتمادًا على عوامل عدّة مثل العمر، والجنس، والأمراض الأخرى، وشدة النوبات. يشرح د. الأتات أنّ "العلاجات المعتمدة تشمل الأدوية التقليدية وكذلك الأخرى الحديثة مثل فئة مضادات CGRP (Anti-CGRP). كل هذه الخيارات توصف بناءً على أبحاث عالمية موسعة أُجريت على آلاف المرضى لضمان فعاليتها وسلامتها".

وهنا نصل الى ظاهرة "الدايث"؛ يكمن الخطر في "أن يصدق الأشخاص كل ما يرونه على هذه المنصات"، حيث تحول هذا الثقب البسيط في غضروف الأذن إلى تريند يتم التسويق له كحل فوري. ويضيف: "فكرة الثقب تستند ظاهريًا إلى مبدأ الوخز بالإبر (Acupuncture)، حيث يُعتقد أنه يضغط على نقطة معينة لتخفيف الألم. ولكن، وحسب الأدلة العلمية المتوافرة، فإن أي تحسن يُلاحظ مع هذا الثقب يعود لسبب وحيد هو "تأثير البلاسيبو" أو "وهم التحسن"، الناتج عن التوقعات النفسية القوية للمريض. باختصار، لا يوجد دليل علمي أو طبي موثوق يدعم فعالية ثقب الأذن في علاج الصداع النصفي".

بالإضافة إلى عدم وجود دليل على الفائدة، فإن الاندفاع وراء "تريند" ثقب الأذن قد يسبب آثارًا جانبية حقيقية وخطيرة، مثل العدوى والالتهاب وغيرها... لذا، "ننبه الجميع إلى عدم السير وراء تريندات مواقع التواصل"، خاتمًا: "إن العلم مبني دائمًا على أبحاث كبيرة ومراجعات دقيقة، والعودة إلى أصحاب الاختصاص واجب وضرورة. نحن كأطباء، مؤتمنون على صحة المريض وحريصون كل الحرص عند وصف أي دواء أو علاج. لا ينبغي استبدال استشارة الطبيب وخطة العلاج المدروسة بتجربة غير مدعومة علميًا تحمل مخاطر صحية".


الدكتور رامي الأتات