مايز عبيد

قهوة "التل العليا": تراث مدينة تحت أوراق عريش

3 دقائق للقراءة
بعض الطاولات يركّز على الشأن الداخلي اللبناني بكلّ تفاصيله

تمرّ بك خطواتك عبر شوارع طرابلس القديمة، ويأخذك الطريق بانسياب نحو مقهى "التل العليا"، ويحملك عبق الزمن بين أوراق العريش المتشابكة فوق المقهى.

هنا، لا تسمع مجرّد أصوات زوّار عابرين، بل نفَس المدينة نفسها تتكلم.

ضحكات، نقاشات، همسات، وأحيانًا صراخ مكتوم يحمل حكايات لم تُكتب بعد. كلّ ركن يحكي قصة، وكلّ طاولة صدى لأفكار وآمال وقلق الناس، من السياسة الداخلية إلى أخبار غزة وسوريا، ومن اللوائح الانتخابية إلى صرخات المواطنين على واقع الخدمات.

في قلب التل العليا، وعلى طاولات قهوتها الخشبية القديمة، لا تمرّ لحظة بلا حديث يخصّ المدينة والمنطقة. على كلّ طاولة ثمّة حديث لا يخلو من السياسة، فلا يغيب الشق الداخلي اللبناني الذي يحتلّ المساحة الكبرى من النقاشات اليومية، مترافقًا مع أحاديث الوضع المستجدّ للانتخابات النيابية، بما في ذلك تشكيل اللوائح وتوزع القوى السياسية والأحزاب على مساحة طرابلس، وإمكانية عودة بعض الشخصيات أو انسحاب أخرى، وأحداث غزة، وما يرافق اتفاق وقف إطلاق النار والتحليلات حياله، وأيضًا أوضاع سوريا وما يمرّ بها أهلها من تحدّيات.


الانتخابات حاضرة

في كلّ طاولة نقاش يختلف عن الآخر، بعض الطاولات يركّز على الشأن الداخلي اللبناني بكلّ تفاصيله السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بينما يركّز البعض الآخر على التطوّرات الإقليمية والهموم الدولية التي تؤثر على المنطقة. الحديث المستجدّ عن الانتخابات يثير الحماسة والتوقعات، وتتشابك فيه تحليلات تشكيل اللوائح، وموازين القوى بين الأحزاب، لتصبح النقاشات نافذة مباشرة على هموم المواطنين وتطلّعاتهم.


اهتمام بالوضع الداخلي

الروّاد يتبادلون وجهات النظر، يحلّلون الأخبار، ويسترجعون ذكريات الماضي لمقارنتها بالواقع الحالي. الشق الداخلي اللبناني يحظى بأكبر مساحة، حيث يحلّل الناس كلّ صغيرة وكبيرة في السلطة، القرارات، التحرّكات الانتخابية المقبلة، فيما يفضل البعض الحديث عن همومه اليومية ومشاكله الشخصية بتمتمة خافتة، في مشهدٍ يذكّرك بواقع طرابلس وتاريخها كمدينة جامعة لكلّ الثقافات والأفكار.


هموم طرابلس أيضًا

هموم الطرابلسيين غير بعيدة هي الأخرى. إذ يأتيك صوت من طاولة مجاورة، لرجلٍ خمسينيّ ينتقد الواقع المزري في المدينة من حيث الخدمات وانعدامها. كلّ ذلك يجري على وقع قرقعة النراجيل وأصوات الصبية حاملي الفحم والنار، التي تضفي على المكان أجواء حيّة وتجعله ينبض بالمدينة وروحها.

لا تزال قهوة "التل العليا" مكانًا يلتقي فيه الطرابلسيون، حيث في كلّ طاولة حكاية.

ورغم كلّ النقاشات، وأحاديث السياسة الداخلية والخارجية، تبقى أصوات مزامير السيّارات تتخلّل المكان، مع صخب المدينة الذي تعلوه هذه القهوة. هنا، بين الطاولات القديمة والروّاد المتحلّقين حول هموم المدينة، يلتقي صوت الإنسان بصوت المدينة، فتتشابك الحياة اليومية مع السياسة والواقع، ويظلّ المكان حيًّا ينبض بالحكايات، صاخبًا ومليئًا بالحركة، كما لو أن كلّ نقاش وكل همّ من حولك جزء لا يتجزأ من روح طرابلس النابضة بالصخب والحياة.