نايف عازار

الانتخابات العراقية... قنوط شعبي وقوتان تستثمران في مقاطعة الصدر

4 دقائق للقراءة
الأحزاب العراقية تغدق أموالها الوفيرة على الحملات الانتخابية (رويترز)

بدأ العد العكسي للانتخابات التشريعية العراقية المزمع إجراؤها في 11 تشرين الثاني المقبل، في ظلّ عدد قياسي للمرشحين الراغبين في دخول الندوة البرلمانية، وقد فاق عددهم الـ 7900، يتنافسون على 329 مقعدًا نيابيًا.

بيد أن العدد المهول وغير المسبوق للطامحين إلى دخول "جنة البرلمان"، لم يُواكَب ببرامج إصلاحية واضحة للمرشحين. وحتى الآن، اقتصرت الحملات الانتخابية على صور المرشحين التي ضاقت بها شوارع "بلاد الرافدين" وأزقتها، وعلى لافتات تحمل عناوين عريضة فضفاضة، إلّا أنها لم ترقَ إلى برامج انتخابية واضحة ومقنعة، تشكّل بارقة أمل للعراقيين، الذين يرزحون تحت وطأة فساد مستشرٍ في مؤسّسات البلاد الرسمية، وزبائنية سياسية مقيتة لا تزال تظلّل المشهد العراقي منذ عام 2003، تاريخ سقوط نظام الرئيس المخلوع صدام حسين، وتكوّن السلطة بحلّتها الجديدة.

والحال أن رحلة الانتخابات المنتظرة بعد أسابيع قليلة، تكاد تخلو من البرامج الواعدة للمرشحين، بحكم أن غالبية هؤلاء يعوّلون على أصوات عشائرهم التي تشكّل "محادل انتخابية" ورافعات تلقائية لأبناء العشيرة، الذين يحظون بذلك بدعم شعبي، بغض النظر إن كانوا يتمتعون بالصفات المؤهلة لدخول قبة البرلمان، ناهيك عن عنصر المال السياسي الانتخابي السخي الذي يُضخ في الأوساط الشعبية، التي تتحيّن مثل هذه الفرص لسد حاجات حياتية أساسية، كان يُفترض بحكام البلاد تأمينها للمواطنين، عوض إذلالهم وشراء أصواتهم في كل مناسبة انتخابية، علمًا أن الأحزاب السياسية والطائفية التي تغدق أموالها الوفيرة على الحملات الانتخابية، تُتهم بأن أموالها مسروقة من خزائن الدولة العراقية، من خلال مشاريع لم تكتمل، وصفقات مشبوهة تفوح منها روائح فساد.

وإذا كان العراقيون ذاقوا الأمرّين إبّان حكم الديكتاتور المخلوع الذي كان يتمتع وحاشيته بمقدرات البلاد وخيراتها، فإن أوضاعهم السياسية والاقتصادية من بعده لم تكن أفضل حالًا بكثير. ويرد المراقبون سوء الحال إلى أن الانتخابات التي يُفترض أن تكون أداة ديمقراطية تغييرية بكل ما للكلمة من معنى، استحالت في غالبية دوراتها منذ عام 2003 حالة مكرّرة تحمل الطبقة السياسية عينها وإن تبدّلت وجوهها، وهذه الطبقة تدير البلاد من خلال المحاصصة الطائفية والحزبية والزبائنية السياسية.

"الستاتيكو" الانتخابي المزمن، زرع التشاؤم والقنوط في نفوس غالبية العراقيين، الذين فقدوا الأمل في إمكان إيجاد اللاهثين خلف المقاعد البرلمانية، حلولًا جذرية للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتنوّعة التي صنعوها بأنفسهم، بحكم أن معظم الوجوه هي وجوه قديمة تسبّبت بمعضلات البلاد، وإن تجدّدت، فهي تدور في فلك الطبقة الحاكمة المتجذرة في السلطة، والمتمثلة اليوم بـ "الإطار التنسيقي"، وهو ائتلاف سياسي شيعي يتمتع بالغالبية البرلمانية وبرئاسة الحكومة، ويدور في فلك الجمهورية الإسلامية في إيران، سياسيًا وعسكريًا.

وإذا كان السواد الأعظم من العراقيين يفتقدون إلى الحماسة الانتخابية، وجاهر بعضهم بمقاطعتها والتي يُفترض أن تنبثق منها حكومة جديدة، فإن المقاطعة المدوية تبقى تلك التي أعلنها زعيم "التيار الوطني الشيعي" (التيار الصدري سابقًا) السيد مقتدى الصدر، والتي تؤرق "الإطار التنسيقي" الحاكم، وتتخوّف أحزابه التقليدية من أن تؤثر حملة المقاطعة في صفوف قاعدتها الشعبية الكبيرة، على نسب المشاركة يوم الاقتراع. يُذكر أن الصدر كان فجر قنبلة سياسية مدوية في 15 حزيران عام 2022، عندما أعلن انسحابه من العملية السياسية، رغم ظفره بالانتخابات السابقة بـ 73 مقعدًا في البرلمان، جازمًا بأنه لن يشارك في أي انتخابات جديدة، كي لا يشترك مع "الساسة الفاسدين"، باعتبار أنه يشترط إجراء إصلاح شامل، وتغيير كبار المسؤولين في "بلاد الرافدين"، مقابل إنهاء مقاطعته للانتخابات.

وفي ظلّ "حرد" الصدر وابتعاده وتياره عن المشاركة في العملية السياسية، يتوقع المراقبون أن تجلس القوى المتصارعة على الحلبة الانتخابية راهنًا، بعد إعلان نتائج المنازلة الانتخابية، إلى طاولة الحوار نفسها كما بات سائدًا في الدورات الانتخابية السابقة، لتتقاسم "المغانم الوزارية" و"قالب الجبنة"، في إطار ما بات يُعرف بـ "التوافقية السياسية"، وهنا يحتدم الكباش داخل مكونات "الإطار التنسيقي" نفسه، بين قوتين بارزتين تستثمران في مقاطعة الصدر، هما "ائتلاف دولة القانون" بزعامة رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي، و"ائتلاف الإعمار والتنمية" الذي يرأسه رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني، فكلا القطبَين الشيعيين يطمح إلى التربّع مجدّدًا على كرسي رئاسة الحكومة العتيدة، والتمتع بمكتسباتها وخيراتها.