شربل صيّاح

هل كان كلّ هذا يستحقّ؟

4 دقائق للقراءة

قمة شرم الشيخ التي عُقدت بالأمس، وشهدت توقيع اتفاق وقف إطلاق النار برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبمشاركة حشدٍ من القادة العرب والأوروبيين والدوليين، بدت للوهلة الأولى وكأنها مشهد تتويجي لمسارٍ دبلوماسي طويل. غير أنّ هذا المشهد لا يمكن فهمه بمعزلٍ عن سؤالٍ، و لو بدا عاطفيّاً ، لكنّه يتجاوز السياسة إلى عمق التاريخ والذاكرة الجماعية: هل كان كلّ هذا حقًا يستحق؟

هل كان يستحق أن تُستباح بيروت وأن تُحرق الدامور والاشرفية وعلما الشعب والنبطية، وأن يُهجّر أهالي الجنوب والجبل والشمال، وأن يعيش اللبنانيون عقودًا من الرعب، كي نصل في النهاية إلى اتفاقٍ شبيهٍ بما كان يمكن التوصّل إليه لو سادت العقلانية منذ البداية؟ هل كان يستحق أن يدفع اللبنانيون، ومعهم شعوب المنطقة، أثماناً باهظة لقضيةٍ كان ألدّ أعدائها، في كثير من الأحيان، هم قادتها أنفسهم؟

هل كان يستحق أن يُستشهد بشير الجميّل، وأن يُغتال كمال جنبلاط، وأن يدفع أنور السادات حياته ثمناً لخيار السلام؟ هل كان يستحق أن يُشيطَن الملك عبدالله لأنه رفض الوجود الفلسطيني المسلّح على أرضه؟ وهل كان يستحق أن يُجرّ لبنان إلى حربٍ مدمّرة، وأن يتحوّل جنوبه إلى ساحة تصفية حساباتٍ بين إسرائيل والفلسطينيين والايرانيين والصوماليين واليمنيين والعراقيين، فيما يدفع الشعب اللبناني أثمان صراعاتٍ لا ناقة له فيها ولا جمل؟

في نهاية المطاف، دفع اللبنانيون، ومعهم شعوب عربية عديدة، ثمناً باهظاً لقضايا تحوّلت تدريجياً من قناعات راسخة إلى أدوات في لعبة توازنات إقليمية ودولية. قضايا كانت يومًا ما تُلهب الشوارع وتشكّل وجدان جيل و تُشعل حروباً أهليّة أينما حلّت، أضحت اليوم بنودًا تفاوضية على طاولات قمم التصفيق.

ما يدفع إلى التأمل الإيجابي أنّ انتهاء هذه القضايا بهذا الشكل لا يُختزل في صفقة سياسية، بل يمكن قراءته بوصفه انتهاء حلقة صراعٍ مغلقة، وعودة الإنسان إلى ذاته، ليجعل من السلام أفقه الوحيد نحو الاستقرار والازدهار، عسى ولعل…

ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى مشهد الأمس كأنه رواية حالمة أو فصل من ملحمة رومانسية؛ إذ لا يمكن تجاهل أنّ الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل التي تواجه اليوم اتهامات جدّية أمام المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب إبادة جماعية في غزة — ليستا مجرد وسيطتين محايدتين، بل طرفان أصيلان في صناعة التوترات التي مزّقت المنطقة على مدى عقود. والمفارقة أن من تمرّس طويلاً في اختراع الأزمات واحتراف سياسات التصعيد، يقدّم نفسه اليوم صانع السلام.

إنّ التاريخ لا يُمحى بتوقيع، ولا يمكن أن يُكتب من جديد ببيانات احتفالية. السلام الحقيقي لا يولد من رحم التهويلات، بل من مساءلة صريحة للماضي، وإنصاف للضحايا، وقراءة واقعية لموازين القوى. وهنا، يقف لبنان أمام مفترق طرق حقيقي: بين أن يكون تابعاً في مشهد يُصاغ من حوله، أو أن يتحول إلى طرفٍ مبادر، يقرأ اللحظة جيداً ويستثمر تاريخه الطويل مع كل القوى ليصوغ موقعه ودوره وفق مصلحته الوطنية العليا.

فالسلام، في جوهره، ليس ترفاً ولا مناورة سياسية، بل ضرورة وجودية ومصير مشترك للشعوب. أما التطبيع، فهو مسار سياسي سيادي خالص، تحدّده الدولة وفق حساباتها ومصالحها، لا استجابة لإملاءات الخارج ولا رضوخًا لخطاب اللحظة. السلام أفق إنساني شامل، بينما التطبيع قرار وطني محدّد.

ومن هنا، فإنّ ما جرى في شرم الشيخ لا ينبغي أن يُستقبل بسطحية أو عاطفة آنية، بل بفطنة سياسية ورؤية بعيدة المدى. على لبنان أن يُحسن التمييز بين السلام والتطبيع، بين إنهاء الصراع وطيّ الذاكرة، بين المبادرة الوطنية والمجاراة الساذجة بين مصلحة ابنائه واجياله ومصلحة كل الدول الاخرى. فهذه اللحظة التي تكشف هشاشة المشهد الإقليمي، قد تحمل في طياتها فرصة نادرة للبنان ليعيد تموضعه، لا على هامش الأحداث، بل في قلبها، "فاعلاً" جدياً دون مواربة او مفردات تسووية لا "نائب فاعل" ولا "مفعولاً به".