في تاريخ الحروب والثورات، لا تنتصر الشعوب بالرصاص وحده، بل بالضمير الذي يبقى حيًّا وسط رماد الألم. فكل تجربة تحرّر حقيقية تكشف الفارق بين من يتنفّس تراب الوطن ومن يتنعم في أروقة الفنادق الفخمة باسم القضية.
حين قرّرت الولايات المتحدة التفاوض مع الثوار الفيتناميين بعد سنواتٍ من حربٍ دمّرت الأرض والإنسان، وجّهت إليهم دعوة إلى باريس لبحث وقف الحرب وتفاصيل الانسحاب الأميركي من فيتنام. كانت واشنطن تتعامل مع اللقاء وكأنه اجتماع دبلوماسي راقٍ، فجهّزت للمفاوضين الفيتناميين إقامة في أفخم فنادق العاصمة، مع سيارات فاخرة ومظاهر رفاهية كاملة.
لكن الوفد الفيتنامي، المؤلَّف من امرأتين ورجلين، رفض ركوب السيارات الفارهة كما رفض الإقامة في الفنادق الفخمة، وأصرّ على السكن في منزل أحد الطلبة الفيتناميين في ضواحي باريس. وعندما سألهم رئيس الوفد الأميركي عن السبب، أجابه كبيرهم بعبارةٍ تختصر فلسفة الثورات الصادقة: "كنا نقاتلكم في الجبال، ننام على الصخور ونأكل الحشائش. لو تغيّرت علينا طبيعتنا، نخشى أن تتغيّر معها ضمائرنا."
هكذا فاوضوا كما قاتلوا: بصلابةٍ وصدقٍ حتى انتصرت فيتنام، وخرج آخر جندي أميركي من أرضها مكسورًا بالهزيمة الأخلاقية قبل العسكرية.
وفي زيارة لاحقة للجنرال "جياب"، أحد كبار قادة الثورة الفيتنامية، إلى بيروت في السبعينيات من القرن الماضي، شاهد مشهدًا صادماً: قادة فصائل فلسطينية يعيشون حياة البذخ، يتنقّلون بين السيارات الفارهة، ويمسكون السيجار الكوبي، ويرتدون البدل الإيطالية، ويتعطرون بالعطور الفرنسية. عندها قال عبارته الشهيرة: "لن تنتصر ثورتكم، لأن الثورة والثروة لا يلتقيان. الثورة التي لا يقودها الوعي تتحول إلى إرهاب، والثورة التي يغدق عليها المال يتحول قادتها إلى لصوص." لم تكن تلك الكلمات نبوءة، بل تشخيصًا عميقًا لمرضٍ يصيب كل حركة تحرّر حين تنفصل قيادتها عن معاناة شعبها.
واليوم، بعد أكثر من عامين على عملية 7 أكتوبر التي دفعت بأهل غزّة إلى جحيم حرب إبادة مرعبة، أعلنت حركة "حماس" التوصل إلى اتفاقٍ لوقف الحرب برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إثر مفاوضات جرت في شرم الشيخ. البيان الصادر عن الحركة وصف المفاوضات بأنها "مسؤولة وجدية"، وأشاد بدور الوسطاء و"المساعي الأميركية لوقف الحرب"، مؤكِّدًا التزامها ببنود الاتفاق.
لكن، وسط هذا الخطاب الدبلوماسي المنمّق، يبرز سؤالٌ وجوديّ: هل يعيش المفاوضون الذين يجلسون في قاعات الفنادق الفاخرة وجع الجوعى والمرضى في غزّة؟ هل يشعرون بآهات الأمهات اللواتي يبحثن عن أطفالهن تحت الأنقاض؟
المفاوضات ليست مؤتمرات صحفية ولا صورًا أمام الكاميرات. إنها امتحانٌ أخلاقيّ أمام دماء الأبرياء وآلام المحاصرين. الوفد الفيتنامي لم يحتج إلى بيانات شكر ولا إلى وعودٍ دولية، بل إلى ضميرٍ ظلّ في الميدان حتى آخر لحظة.
الثورة التي تنسى جوع شعبها لا تنتصر. والثائر الذي يبدّل بندقيته بمعطف فاخر لا يفاوض باسم الوطن بل باسم امتيازاته. لقد حرّر الفيتناميون أرضهم لأنهم ظلّوا أوفياء لجوعها ومعاناتها.
ما استوقفني أن "البطون المنفوخة" لمفاوضي"حماس" لا تشبه أجساد أطفال غزّة الهزيلة، ولهذا أشعر أن مفاوضات شرم الشيخ لا تشبه مع الأسف مفاوضات باريس ولن تحصد نفس النتائج.