في العراق، لا تأتي التحوّلات الكبرى بصوت مرتفع، بل من تحت الرماد. تمرّ كجملة عابرة في بيان رسمي، أو كصورة جماعية يظنها البعض أنها مجرّد حدث انتخابيّ، ثمّ يتبيّن لاحقًا أنها كانت شرارة لمرحلة جديدة.
إعلان "ائتلاف الإعمار والتنمية" بقيادة رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، بدا للوهلة الأولى خطوة تقنية، لكن دلالاته أعمق من الشكل: إنه انتقال تدريجيّ من السياسة بوصفها صراعًا، إلى السياسة كأداة للبناء.
حين رفع التحالف شعاره "العراق أوّلًا"، لم يكن الأمر تكرارًا لعبارة وطنية مستهلكة، بل تلخيصًا لنقطة تحوّل. فالعراق الذي عاش عقدين من الاستقطاب المذهبي والسياسي، بات بحاجة اليوم إلى مَن يذكّره بأن فكرة الوطن نفسها ليست ترفًا ولا شعارًا. أن تكون "أولًا" تعني أن تتقدّم على الولاءات الصغيرة، وأن تعود الدولة إلى مركزها الطبيعي: كقيمة جامعة لا كغنيمة.
يضمّ التحالف أكثر من 6 كتل سياسية، تمتدّ من الجنوب إلى الشمال، وتجمع شخصيات كانت إلى وقت قريب متقابلة في خطوطها السياسية. هذا الخليط ليس صدفة، بل نتيجة لحساب سياسي طويل المدى بدأ منذ تولّي السوداني رئاسة الحكومة. فالرجل الذي دخل المشهد العراقي بصفته إداريًا هادئًا، قرّر أن يبني حول نفسه مشروعًا سياسيًا يحمل ملامح الدولة التي يريدها: دولة منتجة، متصالحة مع نفسها، تُقيم التنمية لا الخطابات.
منذ العام 2022، ارتفع إنتاج الكهرباء من 23 إلى 28 ألف ميغاواط، وارتفعت نسب تنفيذ المشاريع الخدمية في المحافظات الجنوبية بنسبة تجاوزت 40 في المئة، واستُرجع ما يقارب 500 مليار دينار من أموال الفساد في قضايا موثقة. هذه الأرقام، التي تمرّ عادة بلا ضجيج، شكّلت "أرضية" التحالف الجديد. فالإعمار هنا ليس شعارًا انتخابيًا، بل استثمارًا سياسيًّا في "الإنجاز الملموس"، في واقعٍ اعتاد أن يُكافئ الصخب لا العمل.
لكن الأهم من الأرقام، هو اللغة التي بدأ يعتمدها الخطاب الرسمي: لغة الطمأنينة بعد الإنهاك. العراق الخارج من موجات متلاحقة من الحروب، والعقوبات، والاحتجاجات، بحاجة إلى فكرة "الاستقرار" بوصفه أملًا. هنا يلتقي البُعد السياسي بالبُعد النفسي: أن يرى المواطن العراقي في صندوق الاقتراع استمرارًا لما بدأه، لا مغامرة جديدة تُعيده إلى الفوضى.
تقديرات المراقبين تشير إلى أن التحالف الجديد، قادر على حصد ما بين 60 و 70 مقعدًا في البرلمان المقبل. هذه الأرقام كافية لتشكيل كتلة وازنة في أيّ حكومة مقبلة، كتلة تملك قدرة القرار لا مجرّد المشاركة الرمزية. ومعها يعود السؤال الأهم: هل بدأ العراق أخيرًا ينتقل من منطق التحالفات الطائفية إلى التحالفات التنموية؟
من الناحية النفسية، يوظف تحالف السوداني فكرة الإعمار كمحرّك عاطفيّ، لا كبرنامج اقتصادي فقط. الإعمار ليس البناء بالحجر، بل استعادة الإحساس بالجدوى، أن يشعر المواطن بأن ما يُنجز حوله ليس موَقتًا ولا مشروطًا. فبعد سنوات من الجمود، صار العراقيون أكثر قابلية لتصديق من ينجز بصمت، وأقل استعدادًا لرهانات جديدة على وجوه قديمة. ومن هنا، تأتي جاذبية الخطاب الجديد: خطاب إدارة... لا خطاب معركة.
ربّما لهذا السبب، تثير التجربة قلق بعض القوى التقليدية داخل الإطار السياسي نفسه. فالسوداني لا يقدّم نفسه خصمًا، لكنه يتحرّك بثقة رجلٍ يعرف أن ما يفعله يغيّر ميزان القوى من دون إعلان. في كلّ تحالفاته، يكرّر قاعدة واحدة: الدولة أوّلًا، لأن منطق الدولة هو وحده القادر على كبح دوّامة التفكّك التي أنهكت الجميع.
"العراق أوّلًا" ليست جملة لتزيين اللافتات، بل امتحانًا لنضج الوعي الجمعي. أن يصوّت الناس لمن يَعِدهم بالماء والكهرباء والوظائف، لا لمن يَعِدهم بالمحاور والولاءات. أن يختاروا الاستقرار لا الانتقام. هذه التحوّلات البطيئة، التي تمرّ عادة بلا عناوين كبيرة، هي التي تصنع المستقبل.
التحالف في جوهره لا يبدو انقلابًا على أحد، بل محاولة لتثبيت فكرة أن التنمية يمكن أن تكون مشروعًا سياسيًا بحدّ ذاتها. أن الاقتصاد والخدمات ليسا "ملفات" في يد الحكومة، بل هوية بلد يريد أن يعيش. العراق الذي يملك ثروة نفطية هائلة ويعدّ أكثر من 45 مليون نسمة، لا يمكن أن يظلّ رهينة فكرة "البلد الموَقت". وحين تُربط السياسة بالإعمار، يصبح التصويت نفسه فعلًا تنمويًا.
في التفاصيل، يمكن قراءة خطوة السوداني بوصفها تأسيسًا لمعادلة جديدة: دولة تملك مؤسسات قوية تحتاج إلى ظهير سياسي منظم. ومن دون كتلة داعمة في البرلمان، تبقى مشاريع الإصلاح معلّقة في الهواء. لذلك، يبدو التحالف الجديد أشبه بجسر بين ما أنجزته الحكومة وما تريد استكماله لاحقًا. إنها محاولة لخلق استمرارية في بلد أنهكته القطيعة بين كل مرحلة وأخرى.
الرسالة هنا واضحة وإن لم تُقل صراحة: إن الدولة لا تُبنى بقرارات حكومية فقط، بل بحاجة إلى قاعدة سياسية تدافع عنها في كلّ دورة. وإن من يريد أن يُصلح عليه أن يضمن بقاء أدوات الإصلاح حيّة. بهذا المعنى، فإن فوز "ائتلاف الإعمار والتنمية" لا يعني فوز حزب أو شخص بعينه، بل انتصارًا لفكرة أن النجاح يمكن أن يُكافأ في السياسة كما في الإدارة.
العراقيون الذين أنهكتهم التجارب، لا يبحثون عن بطل جديد، بل عن دولة يمكنهم الوثوق بأنها لن تعود إلى الصفر بعد كلّ انتخابات. لذلك، يبدو صعود تحالف السوداني امتدادًا طبيعيًا لخطّ بدأ بهدوء قبل عامين، حين قرّر أن يعيد إلى السياسة معناها البسيط: أن تكون وسيلة لتحسين الحياة، لا أداة لتكريس الانقسام.
وحين يُصبح البناء عنوانًا للسياسة، ربّما يمكن القول إن العراق بدأ أخيرًا يشفي نفسه من عقدة "البداية الدائمة". ليس لأنّ كلّ شيء تحقّق، بل لأن شيئًا ما تغيّر في طريقة التفكير: من إدارة الأزمات إلى إدارة المستقبل.