رفيق خوري

درس غزة في لبنان

4 دقائق للقراءة
(رويترز)

كما في غزة كذلك في بيروت وبغداد وصنعاء وطهران، ومن قبل في سوريا: السلاح واحد، وصاحبه واحد، ومن يشرف على إدارته واحد هو الحرس الثوري الإيراني. لكن المهام متفاوتة ضمن وحدة الوظائف والأدوار. سلاح "حماس" مرتبط بقضية واحدة هي مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين تحت شعار التحرير من البحر إلى النهر. أما سلاح "حزب اللّه"، فإنه مرتبط، لا فقط بمواجهة الاحتلال وخطر إسرائيل الدائم على لبنان بل أيضًا بدور إقليمي في المنطقة ضمن مشروع إمبراطوري إيراني في ثوب ولاية الفقيه. وهذا، مع فوارق تفرضها الجغرافيا، ما ينطبق على "الحشد الشعبي" في العراق و "أنصار اللّه" الحوثيين في اليمن وبقية الذين يعتبرون أنفسهم في "محور المقاومة" بقيادة الجمهورية الإسلامية في إيران.

"حزب اللّه" بدأ "حرب الإسناد" لغزة غداة عملية "طوفان الأقصى" التي زلزلت إسرائيل على يد "حماس". وهو رفض كلّ المساعي لوقف النار على جبهة الجنوب إن لم يتلازم مع وقف النار في غزة، على الرغم من انكشافه أمام العدوّ والضربات القاسية التي أصابت قادته العسكريين في الصف الأول واغتيال قائده التاريخي السيد حسن نصراللّه وخليفته السيد هاشم صفي الدين. لكن التوحّش الإسرائيلي دفعه مضطرًا إلى قبول وقف الأعمال العدائية بشروط أميركية وفرنسية وبالتالي إسرائيلية، مع استمرار الحرب في غزة. واليوم تقبل "حماس" وقف الحرب بشروط أميركية وإسرائيلية ومباركة عربية وإسلامية لخطة الرئيس دونالد ترامب، بعدما صارت غزة بالتوحّش الإسرائيلي صورة واقعية لقصيدة ت.س. إليوت "أرض الخراب". والوقائع صادمة. لا "وحدة الساحات" بدت أكثر من شعار. ولا إيران دافعت عن أذرعها. ولا الأذرع ساعدت طهران عندما تعرّضت لحرب أميركية- إسرائيلية ضربت بنيتها العسكرية ومنشآتها النووية. لا "حماس" تستطيع التملّص من التخلّي عن السلاح وحكم غزة، مع استمرارها كفصيل سياسي وحركة تحرّر وطني والانضمام إلى منظمة التحرير والوقوف تحت سقف العمل المدعوم من 160 دولة لإقامة دولة فلسطينية في إطار "حلّ الدولتين". ولا "حزب اللّه" يمكنه الاستمرار في رفض تسليم السلاح للجيش تنفيذًا لقرار مجلس الوزراء، كما في مواجهة تحوّلات هائلة أكبر منه ومن لبنان والمنطقة.

ذلك أن ما يراد لغزة بقوة النار ثمّ بقمّة السلام في شرم الشيخ هو أن تكون درسًا للبنان والجميع عنوانه "انتهت اللعبة". فما وصلت إليه "حماس" هو أنه لا شيء أخطر عليها وعلى غزة من عودة الحرب. وما برّر به الشيخ نعيم قاسم امتناع "حزب اللّه" عن مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية اليومية هو الخشية من أن يقود الردّ إلى "توحّش العدو الإسرائيلي". وإذا كانت "حماس" قادرة على التكيّف مع الوقائع الصعبة، فإن "حزب اللّه" يتصرّف على أساس أن ارتباطه بالسلاح مبدئي وعضوي وإيماني. وهو يسخر من الذين يتصوّرون أن من الممكن إجراء تحوّل فيه أو "اختراع" نوع آخر من "حزب اللّه" على طريقة الأحزاب في لبنان. إذ ولد "الحزب" وفي يده سلاح. ولا قدرة له على الاحتفاظ بولاء طائفته من دون الارتباط بإيران والإيمان بولاية الفقيه.

والحزبان يحاولان القيام بمهمة صعبة جدًا هي "انتزاع النصر من بين فكي الهزيمة" حسب القول الأميركي الشهير. وهذه مهمة لم ينجح فيها سوى الرئيس جمال عبد الناصر عبر تحويل الهزيمة العسكرية في حرب السويس إلى نصر سياسي واستراتيجي ولكن في ظروف دولية مساعدة لم تعد قائمة حاليًا، ظروف رغبة الرئيس آيزنهاور في معاقبة فرنسا وبريطانيا وإسرائيل بسبب شن حرب من دون الوقوف على رأي أميركا التي وجدت فرصة لوراثة الدور الأوروبي في الشرق الأوسط، وحرص الزعيم السوفياتي خروشوف على دعم حركة التحرر العربية ضد بقايا الاستعمار الأوروبي.

ولا قدسية للسلاح ولا للأنظمة والزعامات. ولا شيء ينطبق على حالنا أكثر من قول ماركس: "العجز يلجأ إلى الاعتقاد بالمعجزات والتصور أن العدو غُلب على أمره إذا تغلّب عليه الخيال".