أمل شموني

اتفاق غزة... ترامب ينجح في "الترغيب والترهيب"

5 دقائق للقراءة
مارس ترامب ضغوطًا "سرية وعلنية" على مختلف الأطراف (رويترز)
واشنطن

يُمثل اتفاق غزة، الذي تمّ التوصّل إليه الأسبوع الماضي، لحظة محوريّة في الصراع الطويل الأمد بين إسرائيل و "حماس". ولكن كيف تمّ تخطي المراحل الحرجة من المفاوضات، وتذليل التحدّيات، والقبول بالتداعيات الأوسع للاتفاق بهدف التوصّل إلى استقرار إقليميّ؟ بعد عامين من تصاعد العنف وتدهور الأوضاع الإنسانية في غزة، تحقق تقدّم خلال المحادثات التي استضافتها مصر. وتُوّجت هذه المحادثات بتأييد إسرائيل و "حماس" مقترح الرئيس ترامب "الطموح" لوقف النار المكوّن من 20 نقطة. وبحسب مصدر في البيت الأبيض، فإن تصريحات ترامب نقلت رسائل قوية إلى المشاركين في المفاوضات بأن السلام هو المسار المتوقع وهو ضرورة دبلوماسية تتطلّب إجماعًا واسعًا.

وكانت المفاوضات المتعلّقة بوقف النار في غزة قد اتسمت بنهج استراتيجي يراعي الظروف المتغيّرة لكلّ من إسرائيل و "حماس". وقد لعبت إدارة ترامب دورًا محوريًا في تسهيل هذه المناقشات، حيث صاغت بمهارة إطارًا يجمع بين الحوافز والردع لتشجيع الطرفين على المشاركة "البناءة والإيجابية". وكان جوهر المفاوضات إدراك أن محاولة حلّ كافة القضايا قبل الاتفاق على وقف النار ستكون لها نتائج عكسية. لذا، تحوّل التركيز للتوصّل إلى اتفاق تدريجيّ يعطي الأولوية للاحتياجات الفورية لوقف النار، وإطلاق سراح الرهائن، وإعادة انتشار القوات الإسرائيلية. وسعى هذا النهج البراغماتي إلى خلق حالة لا يمكن فيها لأيّ من الطرفين أن يُنظر إليه على أنه يعيق تقدّمها.

وقد مارس ترامب ضغوطًا "سرية وعلنية" على مختلف الأطراف، بما في ذلك إسرائيل. وقد استغلّ بفعالية علاقته مع نتنياهو لحشد الدعم لإنهاء الصراع. وكان مفتاح هذه المناقشات بالنسبة إلى إسرائيل هو فهم المشاعر العامة في إسرائيل، حيث أيّد العديد من الإسرائيليين إنهاء الحرب في موازاة الحاجة الملحّة لتأمين إطلاق سراح الرهائن. وقد تمكّن ترامب من طمأنة الطرف الإسرائيلي بإمكانية إحراز تقدّم في إطلاق سراح الرهائن قبل أي انسحاب عسكري. وارتكزت استراتيجية ترامب على إثبات أن الحلّ الإيجابي لا يعتمد فقط على الأعمال العسكرية، بل أيضًا على الحوار الاستراتيجي وضمان الاستقرار الإقليمي.

بالنسبة إلى "حماس"، مثلت المفاوضات تطوّرًا مهمًا ومعقدًا، تميّز بطبيعته غير المسبوقة. فللمرّة الأولى، تجد الحركة نفسها في مناقشات إلى جانب قادة بارزين من الشرق الأوسط وممثلين عن الولايات المتحدة. تُبرز هذه الفرصة تحوّلًا ملحوظًا في الديناميكيات، حيث لم تعد "حماس" مجرّد طرف فاعل مُهمّش، بل تُشارك بشكل مباشر في محادثات قد تُشكّل مستقبل القضية الفلسطينية (رغم تغييبها عن فعاليات احتفالية التوقيع). ومع مشاركة جهات ضامنة رئيسية مثل قطر ومصر والولايات المتحدة وتركيا، شعرت الحركة بوجود ضامن ضدّ أي تلاعب إسرائيليّ محتمل. في المقابل، اشتدّت الضغوط على "حماس" للتوصّل إلى اتفاق، ولا سيّما مع اقتراب موعد انتهاء صلاحية أوراق التفاوض، وتحديدًا مسألة الرهائن. كما أن غياب "فتح" و "أبو مازن" عن هذه المناقشات كان بمثابة تعزيز لمكانة "حماس".

يكشف دور تركيا وقطر ومصر في ممارسة ضغوط حاسمة على "حماس"، واقعًا جيوسياسيًا جديدًا تُشكّل فيه التحالفات والمصالح مستقبل المنطقة. وأكّدت الأزمات الإنسانية في المنطقة الحاجة الملحّة للتوصّل إلى حل. ومع تزايد الضغوط الدولية، لعبت مصر وقطر وتركيا أدوارًا حاسمة في التوسّط في المناقشات. ومارست هذه الدول مجتمعةً ضغطًا غير مسبوق على "حماس"، التي أُضعفت عسكريًا. وسعى الأتراك من خلال هذا الضغط إلى مكتسبات منها تخفيف العقوبات المفروضة على أنقرة إثر شرائها أنظمة صواريخ "أس 400" الروسية والمساعدات الأخيرة التي قدّمتها شركات تركية لروسيا. إضافة إلى ذلك، طالب الجانب التركي بتعزيز التعاون العسكريّ مع الولايات المتحدة.

في موازاة ذلك، نجحت قطر في انتزاع اعتذار من إسرائيل عن الغارة الجويّة الفاشلة، وحصلت على التزام أميركي بأمن الدوحة القوميّ. بدورها، حشدت مصر، خوفًا من التهجير القسري لسكان غزة إلى سيناء، جيشها على طول الحدود الشرقية، ما زاد حدّة التوتر مع إسرائيل وهدّد معاهدة السلام الطويلة الأمد. وقد دفعت هذه العوامل مجتمعةً "حماس" إلى الموافقة على إطلاق سراح رهائن إسرائيليين - ورقة التفاوض الرئيسية - مقابل الشروط الأوّلية للاتفاقية.

ولكن، على الرغم من التقدّم المحرز في وقف النار وعمليات تبادل الرهائن والأسرى الأولية، ظلّت قضايا خطرة عالقة لم تُحلّ بالكامل، أبرزها نزع سلاح "حماس"، والحكم المستقبلي في غزة، والتفاصيل المتعلّقة بانسحاب القوات الإسرائيلية. وكان الجانب الأميركي واضحًا لجهة نزع سلاح الحركة. وقد كرّر ترامب في تحذير شديد لـ "حماس" أنه إذا لم تتخلّ الحركة عن سلاحها... "سننزعه نحن". وأوضح الأميركيون أن طبيعة الاتفاق المرحلية تعطي الأولويّة للاحتياجات الإنسانية العاجلة ووقف القتال، لكنهم شدّدوا على أن خطط اتفاق غزة للسلام هي طويلة الأجل.

لا بدّ من الإشارة إلى أن استراتيجية ترامب أكّدت أهميّة الجهات الفاعلة الإقليمية، ولا سيّما تركيا وقطر ومصر، في تعزيز التزام "حماس" بنزع سلاحها. يُعتبر تعاونهم ضروريًا لأي انسحاب إسرائيلي هادف من غزة. وهذا يعكس ترابط الحسابات الدبلوماسية... فعدم التزام "حماس" بنزع سلاحها قد يدفع إلى تجدّد العنف وانهيار الثقة.

في الختام، يمثل اتفاق غزة خطوة حذرة، ولكنها مهمّة نحو السلام في منطقة مضطربة تاريخيًا. وسيحدّد التفاعل المعقد بين الدبلوماسية الدولية والضغوط الإقليمية والديناميكيات الداخلية داخل كلّ من إسرائيل وغزة، المسار المستقبلي لهذا الاتفاق.