بيار أفريل

بعد 15 سنة في السلطة... أنجيلا ميركل مستشارة لا بديل عنها

28 تشرين الثاني 2020

المصدر: Le Figaro

02 : 01

لا تزال "أقوى امرأة في العالم" في طليعة الاستطلاعات بعد مرور 15 سنة على تولّيها منصب المستشارة الألمانية في 22 تشرين الثاني 2005. حتى الآن، لم يظهر أي منافِس حقيقي لها ولم تتضح هوية خَلَفها مع أنها تستعد للتخلي عن قيادة ألمانيا في السنة المقبلة. في ظل تفشي وباء "كوفيد-19"، يتكرر المشهد نفسه منذ بضعة أسابيع في برلين. تشعر أنجيلا ميركل بالقلق من استمرار انتشار الفيروس فتستدعي رؤساء الولايات المتعنّتين وتحاول تشديد تدابير الإقفال التام. فشلت تلك الاجتماعات مرتَين وبقي الوضع على حاله في نهاية المطاف. غداة تلك اللقاءات الفاشلة، تتذمر المستشارة الألمانية علناً من إصرار حكّام الولايات المحلية على عدم الإصغاء إليها وتُكرر رسالتها الدائمة. أعلنت ميركل يوم الثلثاء الماضي مجدداً: "الحد من الاحتكاك بين الناس... الحد من الاحتكاك بين الناس هو الحل"! لا يزال الوباء تحت السيطرة هناك لحسن الحظ. تُعتبر ألمانيا من أفضل الدول التي تعاملت مع هذه الأزمة الصحية في أوروبا. إنها نتيجة كافية لإرضاء الشعب عموماً.

نادراً ما تفرض أنجيلا ميركل قراراتها الخاصة، لكنها تجسّد دائماً وأبداً صوت العقل والحكمة. تظهر سيدة البلد الأولى في معظم الصور وهي تشبك أصابعها ويديها أمام وسطها وتبدو هادئة طوال الوقت. تروق صفات الهدوء والخبرة والثقة بالنفس التي تتحلى بها لحكام الولايات وعدد من رؤساء الدول الأوروبية أيضاً. بعد مرور 15 سنة على وصولها إلى السلطة في 22 تشرين الثاني 2005، لا تزال هذه السيدة المنارة السياسية لألمانيا ولن تتخلى عن مكانتها قبل العام المقبل. تسيطر ميركل على سياسات أوروبا وقد صنّفتها مجلة "فوربس" 13 مرة كـ"أقوى امرأة في العالم". تم انتخابها بموجب اقتراع مشروع لا لبس فيه، ولا أحد صمد في الحُكم بقدرها باستثناء حكّام مستبدين من أمثال فلاديمير بوتين (20 سنة في السلطة، منها خمس سنوات كرئيس وزراء) ورئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو (26 سنة).

خلال هذا الشهر، شارك 86% من المواطنين في استفتاء حول أدائها، وهي نسبة قياسية وغير مُسجّلة منذ تموز 2014. لم تتراجع شعبيتها يوماً تحت عتبة الخمسين في المئة وفق استطلاعات "معهد البحث الانتخابي" الألماني. وتماشياً مع شخصيتها الكتومة، لم تحتفل رئيسة الحكومة الاتحادية بالذكرى الخامسة عشرة لانتخابها ولم تلتفت الصحف المحلية لهذا التاريخ أصلاً. أعلن المتحدث باسمها ستيفن سيبرت في مساء يوم الجمعة الماضي: "في عطلة نهاية الأسبوع، ستشارك المستشارة في قمة مجموعة العشرين". العمل يأتي أولاً إذاً!

تقول جيزيلا ماير، متقاعدة من برلين تؤيّد "الحزب الديمقراطي الاجتماعي" الألماني: "أنا لم أصوّت يوماً لصالح المحافظين في "الاتحاد الديمقراطي المسيحي"، لكنّ سياسة ميركل فاعلة. تعجبني طريقة تعاملها مع أزمة كورونا وأؤيد تخلّيها عن الطاقة النووية أو استقبالها للمهاجرين. هي تتصرف بطريقة منطقية وإنسانية. إنها امرأة متّزنة وبعيدة كل البعد عن المكائد والمؤامرات". يعكس موقف هذه المواطنة التي عاشت الأحداث الفوضوية الأخيرة في تاريخ ألمانيا حجم الشعبية العابرة للأحزاب التي تتمتع بها المستشارة الألمانية. تُطِلّ نافذة شقتها في حي "ليشترفيلد" على جزء من جدار برلين الذي شاركت في هدمه على الجانب الغربي.

تضيف ماير: "تُعتبر ميركل، وهي أول امرأة من ألمانيا الشرقية تصبح وزيرة في الحكومة الاتحادية ثم المستشارة، قدوة للكثيرين من جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة". وحتى ألد أعدائها في "الاتحاد الديمقراطي المسيحي"، فريدريش ميرتس الذي يطمح إلى استلام منصبها من بعدها، يعترف بأن عهد ميركل شكّل "حقبة جيدة من تاريخ ألمانيا". صرّح هذا المسؤول السياسي الذي يمثّل الجناح الليبرالي في "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" لصحيفة "فيغارو" بأن المستشارة أثبتت براعتها في إدارة الأزمات. باختصار، تحصد ميركل إعجاب المسؤولين في معســـــكرَي اليمين واليسار.

في برنامج حواري شهير يُعرَض يوم الأحد على قناة ARD، أوضحت ميركل موقفها في العام 2010 قائلة: "أحياناً أكون ليبرالية وأحياناً محافِظة وأحياناً مسيحية اجتماعية. هذا هو جوهر "الاتحاد الديمقراطي المسيحي"". حُرِمت المستشارة الألمانية في بداية مسيرتها السياسية من دعم معاقل الديمقراطية المسيحية في منطقة الراين، ومع ذلك نجحت ميركل، ابنة القس البروتستانتي من ألمانيا الشرقية والمرأة المطلّقة التي لم تنجب الأولاد، في استمالة "الاتحاد الديمقراطي المسيحي". تقول أولريك جيرو، رئيسة قسم السياسة الأوروبية في جامعة "كريمس" النمساوية: "نجحت ميركل في بناء أو ترسيخ السياسة الأوروبية التي تكون ألمانيا محورها".

على صعيد آخر، قررت ميركل تخفيض سن التقاعد من 67 إلى 63 عاماً، ما يتعارض مع العقيدة الليبرالية السائدة في معسكرها. كذلك، وافقت على فرض حد أدنى للأجور. بررت ميركل موقفها أمام المجلس التشريعي الاتحادي قائلة: "لا يستطيع أي شخص لديه قلب أن يرفض هذه الفكرة". وفي العام 2017، صادقت ميركل على قرار الزواج للجميع ثم دعمت مبدأ التكافؤ بين الجنسَين في الهيئات الحاكمة داخل "الاتحاد الديمقراطي المسيحي". تجدر الإشارة إلى أن هذه القرارات اتُخِذت في ظل تصاعد الضغوط من أعضاء "الحزب الديمقراطي الاجتماعي" الذي تحكم البلد معه منذ 11 سنة ضمن التحالفات الثلاثة الأساسية.

على الساحة الأوروبية، فرضت أنجيلا ميركل شروط دفع الضرائب الألمانية على حزمة إنقاذ اليونان. وفي العام 2015، فاجأت حلفاءها حين فتحت حدود بلدها أمام اللاجئين. كانت مبادرة المستشارة الألمانية ترتكز مجدداً على أسباب عاطفية، لكنها أدت هذه المرة إلى اضطراب شركائها، لا سيما إيطاليا. داخلياً، أدى قرارها إلى تجديد زخم الحزب اليميني المتطرف "البديل من أجل ألمانيا"، لكنها حصدت في المقابل دعماً واسعاً من جزء آخر من الرأي العام الألماني.

تعترف باريس بفضل ميركل بعد انضمامها إلى مشروع القرض الجماعي لتحفيز اقتصاد دول الاتحاد الأوروبي الذي اضطرب بسبب الأزمة الصحية الأخيرة. تريد فرنسا أن تنظر إلى هذه الخطوة وكأنها نقطة تحوّل أوروبية بعيداً من السياسة الألمانية المعتادة. أخيراً، بدأت المستشارة الألمانية مساعيها لإنهاء المفاوضات حول خطة "بريكست" بحلول نهاية هذه السنة.

برأي بعض معارضي ميركل، لطالما كان سعيها الدائم إلى «إقامة التوازن وعقد التسويات»، ولو على حساب المواقف الجريئة أحياناً، كفيلاً برسم السياسة الألمانية والمجتمعية. يوضح بينديكت غرودو، مسؤول بارز في وزارة المالية: «هذه السياسة التي استعملها «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» لترسيخ مكانته سمحت له بتحقيق الفوز في الاستحقاقات الانتخابية، لكنها أعطت أثراً مخدّراً في أنحاء البلد في الوقت نفسه. وليس مستبعداً أن نضطر في المراحل اللاحقة لدفع ثمن هذا الاستقرار الزائد». يعتبر غرودو الانقلاب الوسطي الذي حققه «الحزب الديمقراطي الاجتماعي» في معسكر اليسار إثباتاً على رأيه. في تشرين الأول 2019، انتخب مناصرو هذا الحزب ناشطَين متشدّدين على حساب وزير المالية أولاف شولتس باعتباره محافِظاً أكثر من اللزوم. لكن في آب 2020، تجاهل الحزب نتائج الانتخابات الأولية واختار شولتس مجدداً كمرشّح لمنصب المستشار الألماني.

يواجه "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" معضلة مشابهة. بفضل أنجيلا ميركل، يتمتع هذا الحزب بشعبية لا مثيل لها، لكنه يعجز على ما يبدو عن طرح زعيم مناسب خَلَفاً لها. لطالما كان الثقل الذي تتمتع به ميركل على الساحة السياسية كافياً لمنع الطامحين بالسلطة من التشكيك بسجلها، وكأن آفاق طموحاتهم تقتصر على خلق نسخة جديدة من ميركل رغم غيابها. في هذا السياق، صرّح فريدريش ميرتس لصحيفة "فيغارو": "لن ينتخبنا الناس في العام 2021 بدافع الامتنان لما حققته المستشارة الألمانية على مر 16 سنة، بل يجب أن نقدم لناخبينا رؤية صادقة ونكسب ثقتهم خلال العقد المقبل".

لطالما كان ميرتس من أكثر المرشّحين انتقاداً لإرث ميركل، وهو يحظى بدعم القاعدة المستاءة من وضع "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" لكنها لا تعبّر عن موقفها علناً، لا سيما "اتحاد الشباب". مع ذلك، لا يحقق ميرتس نتائج إيجابية في استطلاعات الرأي على المستوى الوطني. في الأوساط الديمقراطية المسيحية، يبدو أن المرشّح الأكثر شعبية هو رئيس "الاتحاد الاجتماعي المسيحي" ماركوس سودير. لكن عدا عن أنه لم يترشح رسمياً بعد، من المتوقع أن يسبب له أصله البافاري مشكلة في برلين. في الوقت الراهن، يبقى رئيس وزراء ولاية "شمال الراين وستفاليا" أرمين لاشيت المرشّح الأوفر حظاً في هذه الانتخابات الأولية مع أن ترشّحه المتوقع لا يثير أي حماسة.

غداة انتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة، طالبت جميع الأطراف بتوسيع دور أوروبا في قطاع الدفاع. إنها طريقة واضحة للاقتراب من اقتراحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. تكلّمت ميركل عن أهمية هذه الخطوة في مناسبات متكررة لكن يصعب تطبيقها على أرض الواقع. وفي الفترة الأخيرة، حاولت وزيرة الدفاع والمرشّحة السابقة لخلافة ميركل، أنغريت كرامب كارينباور، نسف هذا الاحتمال بالكامل، فأعلنت رئيسة "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" الحالية أن أمن أوروبا سيتوقف دوماً على الولايات المتحدة. أمام هذا الوضع، يترقب الجميع الآن أحداث المرحلة المقبلة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.