عاد شبح الاغتيالات السياسية ليفرض نفسه لاعبًا محوريًا في السباق المحموم إلى الندوة البرلمانية العراقية. فقبل أقلّ من شهر من المنازلة الانتخابية التشريعية المرتقبة في الحادي عشر من الشهر المقبل، أطلّ العنف السياسي برأسه مجدّدًا ليضرب قبل أيام في شمال العاصمة بغداد، مستهدفًا المرشح إلى الانتخابات صفاء المشهداني، والذي كان يشغل أيضًا منصب عضو "مجلس محافظة بغداد".
انفجار العبوة الناسفة اللاصقة، بحسب التقارير الأمنية الأولية، الذي استهدف سيارة المشهداني، المرشح ضمن "تحالف سيادة"، الذي يُعدّ أحد أكبر التحالفات السنية التي تخوض غمار الانتخابات بزعامة خميس الخنجر ورئيس مجلس النواب الحالي محمود المشهداني، تسبّب أيضًا في جرح عدد من أفراد حمايته. وفيما سارعت رئاستا الوزراء والنواب إلى تشكيل لجان تحقيق في الحادثة، يتخوّف العراقيون من أن يلقى التحقيق مصير التحقيقات في انفجارات سابقة، وأن يبقى طي النسيان والإهمال، وأن تشكل الحادثة باكورة لاستهدافات أخرى، فاتحةً شهية الجهات المتضرّرة الكثيرة من إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها، للقيام بمثل هذه الأعمال المقيتة، المتمثلة بالتصفيات الجسديّة.
لا ريب في أن التفجير أثار مخاوف كبيرة من خروج القطار الانتخابي في "بلاد الرافدين" عن السكة الديمقراطية إلى مربّع العنف، الذي ظلّل البلاد لسنوات طويلة بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، خصوصًا أن العملية السياسية في العراق لا تزال تتسم بهشاشة شديدة، تغذيها اعتبارات وحسابات طائفية، وتجاوزات الميليشيات المسلّحة المنتشية بـ "فائض القوة"، والمعززة بدعم نظام الملالي، الجاثم على حدود البلاد الشرقية، لذلك يتخوّف المراقبون من أن يطلق التفجير، الذي يتخذ طابع الاغتيال السياسي الكامل الأوصاف، العنان لحقبة "تلطيخ الانتخابات التشريعية بالدم العراقي"، وأن يشكل منعطفًا خطرًا في طبيعة التنافس الذي يُفترض أن يكون سياسيًا وديمقراطيًا، في وقت يتصاعد فيه التوتر مع بدء العدّ العكسيّ لموعد الانتخابات، في بلد لم تندمل فيه بعد الجراح الطائفية العميقة.
يحلو لبعض العراقيين وصف المشهداني بـ "الصوت المعتدل"، وهو يتحدّر من مدينة الطارمية التي تقطنها غالبية سنية، وقد غصّت المدينة منذ بضع سنوات بتشكيلات عسكرية تدور في فلك "الحشد الشعبي" وفصائل شيعية أخرى، بذريعة محاربة إرهاب "الجماعات السنية"، غير أن المراقبين العسكريين يعتبرون أن حجة وجود هذه الفصائل انتفت، بحكم تراجع، لا بل تقهقر تنظيم "داعش" هناك.
يقرأ المراقبون السياسيون في اغتيال المشهداني، محاولة لإسكات صوت معتدل، فشل خصومه في مقارعته سياسيًا، ورسالة دامية، يوجّهها المتوجّسون من إجراء الاستحقاق الديمقراطي، الذين يرون في صناديق الاقتراع تهديدًا لمكتسباتهم السياسية وثرواتهم المتراكمة، مفادها أن بعض مناطق "بلاد الرافدين" لا تزال غير آمنة بشكل كامل، وأن الظروف الأمنية لم تنضج بعد لإتاحة تنظيم انتخابات حرّة ونزيهة، ما يزيد حدّة الاحتقان السياسي، في ظلّ انقسامات عمودية حادة داخل التحالفات التقليدية نفسها.
اغتيال المرشح للانتخابات ترافق مع تسريب تقارير أمنية، تفيد بتوجيه دعوات لتظاهرات ستُنظم الشهر المقبل، ويقودها محتجون على تردّي الأوضاع السياسية والاقتصادية، وسط تعاظم الحديث عن إجحاف متعمّد في توزيع المشاريع الإنمائية في أنحاء البلاد، وهذه الدعوات للاحتجاجات الشعبية تضع حكومة السوداني أمام ظروف ضاغطة وتحدّيات جمّة، لعدم السماح بانزلاق التطوّرات إلى فوضى أمنية عارمة، تطيح الانتخابات الموعودة، في وقت أمست فيه العملية الديمقراطية المنتظرة تحت مجهر المراقبة الدولية، في بلد متاخم للجمهورية الإسلامية الخارجة عن "طاعة" المجتمع الدولي وقائد سفينة "العمّ سام" حتى الآن، ويتمتع بثقل استراتيجي وجيوسياسي.
للعراق تاريخ أسود حافل بالاغتيالات السياسية، انطلقت باكورتها عام 2003، تاريخ إطاحة النظام البعثي، عندما اغتيلت شخصيتان سياسيتان بارزتان، هما زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية محمد باقر الحكيم، وهو أحد علماء الشيعة في العراق، والسياسي عبد المجيد الخوئي، وهو رجل دين شيعي أيضًا ونجل المرجع أبو القاسم الخوئي. وفي العام التالي، تضاعفت عمليات الاغتيال، حاصدة العديد من الشخصيات السياسية، أبرزها كان الرئيس السابق لمجلس الحكم العراقي الانتقالي عز الدين سليم. وفي عام 2005، لقي 14 سياسيًا حتفهم، لينخفض في العام الذي يليه زخم الاغتيالات تدريجيًا، قبل أن تتصدّر الاغتيالات واجهة الأحداث في البلاد عام 2013، مع بداية الانزلاق الأمني مجدّدًا، الذي خطف 11 شخصية سياسية.
وفي عام 2020، ضجّت العاصمة العراقية بنبأ اغتيال المختص في شؤون الجماعات الجهادية هشام الهاشمي، بعدما أمطره مسلّحون بالرصاص أمام منزله. وكان الهاشمي نشر قبل اغتياله بأيام، بحثًا مفصّلًا تناول "الابتزاز" الذي تمارسه نقاط التفتيش غير القانونية حول بغداد، التابعة لـ "كتائب حزب اللّه" العراقي وميليشيا "عصائب أهل الحق". وفي العام الذي تلاه، أثار اغتيال الناشط إيهاب الوزني بهجوم مسلّح في كربلاء، غضبًا عارمًا، بحكم أنه كان معارضًا شرسًا للحكومة، وترأس "تنسيقية الاحتجاجات" في المدينة، وكان صوتًا صارخًا في برّية مناهضة الفساد وسوء الإدارة، ولطالما نادى بالحدّ من نفوذ طهران والجماعات المسلّحة في كربلاء.
في الخلاصة، كانت هذه أبرز وليس كافة عمليات الاغتيال السياسي التي عصفت بـ "بلاد الرافدين"، ويبدو جليًا في قراءة سريعة أن:
- الاغتيالات السياسية نهج مستمرّ في العراق منذ عام 2003، يطلّ برأسه كلّما احتدم التنافس الانتخابي واشتدّ التدخل الخارجيّ.
- ضحايا الغدر السياسي هم من مختلف المكوّنات الطائفية العراقية، ما يشير إلى أن دافع التصفية الجسدية ليس طائفيًا بحتًا في غالب الأحيان.
- غياب الشفافية ونتائج التحقيقات، يعزز ثقافة الإفلات من العقاب واستسهال القتل، ويضعف ثقة العراقيين بالدولة المركزية.
- اغتيال المشهداني قبل أيام، يشير إلى احتمال عودة "آلة القتل" السياسي الممنهج، مع اقتراب موعد الانتخابات.