يغوص مؤرخون في لبنان في عراقته ومصائبه مع التركيز على وقائع وأيديولوجيات التعبئة وبدون الاهتمام بتاريخ الذهنيات حيث تنبع مجمل الأحداث وانطلاقًا من مقدمة شرعة الأمم المتحدة بالذات.
انطلاقًا من منبع الكوارث في لبنان الـ 18 طائفة يوجد معضلة في ذهنيات تاريخية لدى أقليات كبرى مارونية وسنية وشيعية في علم النفس التاريخي psychohistoire، والتي لم تحسم علاقتها بالدولة في نظام لبنان التشاركي power sharing. تسعى هذه الأقليات مرحليًا إلى التعبئة منذ اتفاقية القاهرة سنة 1969 وتداعياتها والتي ألغاها المجلس النيابي في 21/5/1987 ثم اتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006 وكوارثها. تبين قراءة الوثائق التاريخية لمارونية سياسية ولسنية سياسية وشيعية سياسية، مساعي تعبئة أيديولوجية وإثارة رواسب ذهنية مكبوتة. لا تشمل هذه المقاربة إطلاقًا آباء مؤسسين وحكماء كبارًا لهذه الأقليات الكبرى.
***
1. في السنوات 1975-1990 انتشرت تعبئة سنية سياسية مع الاستقواء بالوجود الفلسطيني المسلّح في سبيل تعديل توازن في النظام اللبناني. ثم تمّ إعلان توبة قومية عارمة بسبب إغراق المقاومة الفلسطينية في الأوحال والرمال اللبنانية المتحركة. وجاء الرئيس رفيق الحريري ليعمّم الثقة القومية العارمة بقوة التوازن اللبناني وليس توازن القوى.
2. في اتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006، عمّمت مارونية سياسية أيديولوجية موقع المسيحيين في لبنان وما يوصف "بالصلاحيات"، وغرائز ذهنية الحماية بعد ميثاق الطائف، مرفقة بشعارات غريبة تمامًا عن تراث تاريخي خلاق وإبداعي لآباء مؤسسين من كل المذاهب أمثال كاظم الصلح ورياض الصلح وبشارة الخوري وميشال شيحا وفؤاد شهاب ورفيق الحريري وحسين الحسيني وبشير الجميّل ومقاومته اللبنانية الوطنية في السنوات 1975-1990.
انتشرت الشعارات التالية في التعبئة من دون ركيزة في نص الدستور المعدّل وبدعم من مثقفين وأكاديميين من دون خبرة: رئيس جمهورية قوي، صلاحيات، حجم، أحجام، حصة...! جمعت تعبئة مارونية سياسية مسيحيين ولبنانيين عامةً لأنها تتستر بسجالات دستورية مدعومة من كتّاب يدّعون الاختصاص الدستوري. تبوأ بنتيجة هذه التعبئة رئيس جمهورية بفضل الاستقواء باتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006 وبدعم شيعية سياسية. أدى هذا الاستقواء، ولا نقول القوة، إلى تعليق الدستور، وليس مجرد خرقه، وكثافة هجرة لبنانية وكارثة عارمة في كل القطاعات وخلف مقولة تكرارية في اتهام "النظام" و"ما خلوني!
ان استقواء مارونية سياسية مستجدة، مع شيعية سياسية مستجدة، خلق وهمًا حول إمكانية السيطرة على لبنان العصي عن السيطرة حتى في أقصى العهود العثمانية والنظام الأسدي، وخلافًا لمجمل الاختيار التاريخي في لبنان الألغام والمستنقع لكل المغامرين والمقامرين.
3. في لبنان الحالي، هل تتابع شيعية سياسية مغامرة قاتلة لذاتها وللوطن مع الانتقال من لبنان الساحة إلى لبنان الساحات وفي زمن حيث أصبحت العلاقات الدولية من دون بوصلة؟ كل "الحقائق اللبنانية"، منذ بشاره الخوري والآباء المؤسسين وأبرزهم كاظم الصلح ورياض الصلح وميشال شيحا...، مهدّدة! ويستمر لبنانيون في التكاذب والتذاكي والتموضع والإنكار. في الكارثة العامة هذه يتم اغتيال الدولة. والأخطر تطبّع لبنانيين بمشاهدة رجل دين معمّم يقرر السلم والحرب، بينما يستمر مثقفون من دون خبرة في التداول حول إلغاء "الطائفية" والدولة "المدنية" و"العلمانية"!
ليس مصدر الكارثة "النظام"، بل سياسات هيمنة نابعة من علم النفس التاريخي والعيادي ولدى أقليات كبرى في مساعيها للاستقواء بالخارج منذ 1969 ونقيضًا للمسار الحالي في انتخاب "رئيس دولة" (المادة 49) وتأليف حكومة طبيعية "إجرائية" (الفصل الرابع) وليس برلمانًا مصغرًا حيث يتعطّل الفصل بين السلطات وحيث لا تتخذ القرارات إلا بفضل تبادل منافع.
***
يكمن العلاج في علم النفس التاريخي. الحاجة القصوى إلى استعادة قراءة عراقة آباء مؤسسين من موارنة وسنة وشيعة وكل المذاهب. تطمس تعاليمهم وقيم لبنان التأسيسية أيديولوجيات مرحلية في الاستقواء الداخلي وعقدة الباب العالي وبفضل دعم خارجي.
لا سلم أهلي ثابت ولا استقرار ولا ثقة بلبنان اللبناني والعربي ولبنان الرسالة والضرورة، إلا من خلال علاج في علم النفس التاريخي والعيادي ومن خلال مختلف سياقات التنشئة ومثاقفة الدولة وبناء ذاكرة جماعية مشتركة ومناعة رادعة وتأريخ علمي واقعي.
توفر الثقافة اللبنانية والملبننة للطائفة الأرمنية نموذجًا في الحكمة والحذر prudence بمعنى أرسطو. في بداية 1975 حيث تعرضت الطائفة الأرمنية لضغوط في سبيل تنظيم ميليشيا قال لي خاتشيك بابيكيان: "لا نريد أن نتهجّر مرة أخرى!" شارك أرمن في المقاومة الوطنية وفي رعاية الدولة.
تعاني الأقليات الثلاث الكبرى، في مراحل مختلفة ومتلاحقة، من علاقتها بالدولة. تعلو الدولة بطبيعتها عن كل الولاءات الأولية. إنها إشكاليات في علم النفس التاريخي والعيادي وتاريخ الذهنيات. يطرح علم النفس التاريخي الشيعي، لبنانيًا وعربيًا، إشكالات خاصة وفي ما يتعلق بثقافة الدولة. تطرق إلى الموضوع بأصالة وعمق الإمام موسى الصدر والإمام محمد مهدي شمس الدين وهاني فحص... يطرح محمد علي مقلد الموضوع في كتابه: اغتيال الدولة، 2011 والشيعية السياسية: بحث في معوقات بناء الدولة (الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012، 168 ص).
تنبع الحكمة وانطلاقًا من الاختبار وفي سبيل الخروج من آلية التكرار في محاضرة كمال جنبلاط في الندوة اللبنانية في 10/2/1956 حيث يقول: "لبنان وجد لكي يكون بلد العقل، بلد العقلانية، أتينا هذه البقعة من الشرق، ولنترك لسوانا أن يتلهى أو يجازف بلعب دور أسبارطة Sparte فهو ليس دورنا في الواقع، إن نفوسنا تعبت – عبر التاريخ – من تشخيص أدوار الأباطرة أو من تقليد دون كيشوت Don Quichotte…".