اللّبنانية لغة مكتملة أم لهجة؟

اللغات العربيّة الحديثة ضرورة ماسّة لنهضة عصريّة

7 دقائق للقراءة

هل يفسّر الخلل اللّغوي جانبًا من انهيار الدّولة والمجتمع في لبنان؟ يضع المفكّر سعد بهجت أبو شقرا بخلفيّته في المنطق الرّياضي والعلوم التطبيقيّة، بحثه الجذريّ "اللّغات العربيّة الحديثة..." الذي صدر عن "دار سائر المشرق" ليجيب عن هذا السّؤال.

من خلال تحليل نقدي لمنهجيّات اللّغويّين الكلاسيكيّة والاعتماد على تعريفات علمية دقيقة، يبرهن أبو شقرا بمنطق لا يقبل الالتباس أنّ اللّبنانية لغة حيّة مكتملة، لا مجرّد لهجة. الرّسالة تتجاوز التصنيف اللّغوي لتربط بين الازدواجيّة اللّغويّة الحاليّة وبين تعثر الانتماء والهويّة، والعجز المعرفي والاقتصادي الّذي يواجه اللّبنانيّين اليوم. الكتاب دعوة علميّة جريئة لإنهاء الارتباك اللّغوي كخطوة أولى نحو إنقاذ الوطن وإعادة بناء الوعي. في ما يلي فصل منه تنشره "نداء الوطن". 

تنامى التنوّع اللّغوي العربي المعاصر في ظلال الفُصحى الّتي كانت، ولا تزال، لُغة حِفظِ تراثٍ وبناء ثقافاتٍ عَريقةٍ أغدَقت على الإِنسانِيّةِ ثرَواتٍ من الآداب والمعارفِ والقِيَمِ الحَضاريَّة. وبسبب قدرة الفصحى على التطوّر وبنتيجة مفعولها وتفاعلها مع لغات الشعوب المحليّة وشعوب الجوار وشعوب المستعمرين، وُلدت من هذه الفصحى لغات حديثة تواكب العصر، تُشكِّل اليوم نسيجًا غنيًّا من اللّغات العربيّة المنتشرة في مناطق مختلفة تتجاوز العالم العربي .

إنّ تناسق هيكليّة الفصحى وسلامة منطقها ومرونة صرفها، هذه كلّها مجتمعة تمكّنها من مجاراة العصور. ذلك أنّ للفصحى مزايا عدّة تُتيح لها أن تصبح فاعلة في حقول التكنولوجيا والمعارف الحديثة، إذا أدرك القيّمون عليها أنّ بمقدورها تحديث نفسها مع المحافظة على متانة أسسها.

وهناك أقليّات ثقافيّة تعيش ضمن مجتمعات خارج العالم العربي، تتكلّم لغاتها العربيّة الخاصة بها، باتت ثقافاتها ولغاتها مهدّدة بالانقراض. ولا سبيل لإنقاذ تلك الثقافات من دون الاعتراف بلغاتها وإسداء بعض الدّعم الثقافي لها.


فعالية اللغة

تنجح اللّغة إذا تمكّنت من لعب أدوار مثل تلك التي استنتجها الباحث البروفسور روبرت مالكولم ديكسون (Robert M. Dixon) في "جامعة جيمس كوك" (James Cook) بمقاطعة كوينزلاند (Queensland) في أستراليا، والتي لخّصها بـفعاليّة اللغة في القضايا والمجالات التالية:

‌في مجال الانتماء

كلّ إنسان ينتمي لجماعةٍ تتكلّم مثله، وعدم السّماح بتعليم وتدوين اللبنانية أضعَفَ ثباتها عبر القرون، فبات كلّ جيلٍ لا يتكلّم بنفس الطريقة الّتي تكلّم بها آباؤه، فتباعدت اللهجات بين الأجيال وبين المناطق، فضعف الانتماء المشترك، أيّ أن استمراريّة الانتماء الواحد تعثرت. وأدّى تباعد لهجات المناطق لتحاشي استعمالها وذلك لكي يتأكّد المتكلّم أنّ المستمِع سيركّز على معنى ما يُقال لا على كيف يقال. من جهة أخرى أدّى تقدّم التكنولوجيا وظهور التواصل الرّقمي، لنمو لغة محكيّة وَسَطِيّة يُتقنها كلّ الناس. هذه اللغة الحديثة الوسطيّة (لغة الرّحابنه) هي موضوع هذا الكتاب.

حاليًّا لا تتمكّن الفصحى (لا لضعفٍ فيها لا سمح الله، ولكن بسبب قلّة إتقان الناس لها مما يؤدّي لتحاشيهم استعمالها في حياتهم اليومية)، ولا تتمكّن أيّ من المحكيّات المناطقيّة من القيام اليوم بالأدوار المنتظرة منها لخدمة مجال الانتماء الواحد؛ وهذا يفاقم مشكلة وجود انتماءات محليّة ضيّقة تقتصر على المناطق وعلى الطوائف، على حساب الانتماء الوطني. من المعطيات السّابقة نرى أنّ الاعتراف باللبنانيّة الوسطيّة المذكورة أعلاه، كلغةٍ رسميّة، وتعليمها بات ضرورة لإنقاذ الوطن من الشرذمة الحالية، فاللبنانية هي اللغة الوحيدة المؤهَّلة للنجاح في هذا الدور.


‌في مجالات التعاون المجتمعي وحقول العمل

لا تُتقِن الفصحى سوى أقليّة من العرب، وهم المثقّفون. وقلّة إتقان الفصحى يمنع الملايين من العرب العاديّين، وهم بناة الاقتصاد والمجتمع، من استعمالها في مجتمعاتهم أو في أعمالهم؛ فتضطرّ أن تؤدّي ذلك الدّور اللغات الحديثة الوَسَطِيّة التي ذكرناها أعلاه (أي اللغات العربيّة الجديدة)، التي لا تتطابق لا ألفاظها ولا قواعدها مع ألفاظ وقواعد الفصحى تطابقًا تامًّا.


في الكفاية في التواصل المناسب

الدَّور الأساسيّ الثالث للغة هو صلاحيّة اللغة للتواصل المناسب مع التركيبة الاجتماعيّة من لياقةٍ وتهذيب وطقوس. وطبعًا كلّ قارئ يعرف ما للتواصل اليوميّ من أهميّةٍ في ثقافتنا، وأنّ تعابيرَنا في هذا المجال ليست بالفصحى. أمّا الإنتاج الأدبيّ الغزير الذي يجتذب الملايين، مثل الشعر الغنائي والمسرح والشعر الوجداني وغير ذلك، فتطغى عليه طبعًا "محكيّاتنا". إذًا فالفصحى، الّتي كانت في الماضي قادرة على القيام بهذا الدّور وبكلّ الأدوار الأخرى، لم تعد هي اللغة المستعملة في هذا المجال الحيويّ. والأمل في أن تتمكّن الفصحى من ذلك مستقبلًا يعتمد على إمكانيّة عودة استعمالها كلغة يوميّة محكيّة.


‌في التعبير عن المشاعر

للأسف عدم إتقان الناس للفصحى حَصَرَ نجاحها من هذه الناحية أيضًا بالمثقفين المتمكّنين منها، الذين يستمرّون بإثراء الأدب العربي بإنتاجهم العصري الرّاقي. ولكنّ المثقف وغير المثقف، يعبّران باللغة الحديثة لا بالفصحى، عن مشاعرهما اليوميّة مثل حبّ الأهل، أو احترام رأي صديق أو التأوُّه ألمًا، أو التفاعل إعجابًا بعملٍ متقن، أو استنكار صوت مزعج؛ لكلّ هذه التعابير لا نستخدم الفصحى.


‌في التعبير عن الجماليّات والفنون

هذا هو الدّور الخامس الذي وجده بحث ديكسون أساسيًّا لاعتبار لغةٍ ما ناجحة. هناك طبعًا أدباء وشعراء متمكّنون من الفصحى ولديهم إنتاج قيّم في هذا المجال، إلّا أنّ النسبة العالية لا تتقن الفصحى وتعتمد اللّبنانيّة لتعبيرها عن الجماليّات والفنون، وتحبّ وتتمتع بالآداب التي ينتجها الأدباء بها أكثر بكثير ممّا تتمتع بالجمال والفنون التي يتمّ إنتاجها أو التعبير عنها بالفصحى، فـ "بيت العتابا" مثلًا يحرّك وجدان اللبناني أكثر بكثير من قصيدة كاملة بالفصحى.


في تيسير التفكير والبحوث والمناقشات المعرفيّة وتدوينها

تحدُّ قلّة إتقان العرب للفصحى من فعاليّتها بهذا الدّور الهامّ، والتقصير هنا ليس بسبب قلّة طواعيّتها، أو تقصيرها عن الإيضاح، ولا من عجزها عن نحت المفردات التي يحتاجها الباحث في أي مجال، إذ أنّ الفصحى من أقدر اللغات على كلّ ذلك. ولكن إتقان الفصحى، ثمّ استعمالها بشكلٍ صحيح، يتطلّبان جهودًا ويلزمهما تخصيص وقت أكثر مما يلزم الإنسان، حتى العربيّ، لإتقان اللغات الأخرى كالإنكليزيّة. مع فرقٍ ثانٍ هامّ ليس لصالح الفصحى، وهو أنّ تلك اللغات الأجنبيّة التي يستعملها علماء العرب للقيام ببحوثهم، هي نفسها التي يستعملونها كمحكيّاتهم في مختبرات ومكاتب وأروقة الجامعات التي ينتمون إليها وفي مقاهي وشوارع المدن الغربيّة التي تستقطب الباحثين، وهذا ممّا يُسَهِّل عليهم رفع مستوى إتقانهم للغة الأجنبيّة من دون أن يضطرّوا لبذل جهدٍ موازٍ لما يحتاجونه لإتقان الفصحى التي لا يحكونها. ثمّ أنَّ تجَنب، أو قل حتى تعذر، استعمال الفصحى في الكلام اليوميّ في الجامعات وفي المجتمع يجعل إتقان صرفِها ونحوِها بحاجة لجهودٍ إضافيّة؛ جهود قد يُفضل الباحثون العرب استثمارها للتركيز على بحوثهم. وبالنتيجة لا يفضل الباحثون الفصحى على اللغات الغربيّة.


‌في تيسير النقاش والتعليل المنطقي

إنّ نقاشاتنا التي ننخرط بها إنْ في بيوتنا أو في المقاهي أو في مكاتبنا وفي غرف وأروقة مؤتمراتنا الرسميّة، والمتعلّقة بمجمل مواضيعنا الحياتيّة من أمورٍ عائليّة أو اجتماعيّة أو تجارة وصناعة أو دبلوماسيّة أو صحافة أو ثقافة، أو خلال وضع قوانين وتنفيذها، أو أعمال السّلطات التي تؤمّن سلامة المواطنين، أو كلّ ما يحتاج للنقاش والتعليل، كلّ هذه النقاشات، وما يرافقها من تعليلات، ولا أتحدّث هنا عمّا يُلقى من فوق المنابر، لا تجري بالفصحى.

استنتاجنا العام هو أن في الوضع اللغوي الحالي، لا الفصحى ولا "اللغات" المحليّة الحديثة تؤدّي الأدوار التي تمكّن الشعوب والأفراد من وضوح الانتماء، أو من بناء المعارف أو الاقتصادات. ويواجه الحريصون من مسؤولين وعلماء يتفانون بمحاولة النهضة بشعوبهم صعوبات كبيرة تعيق أعمالهم بسبب نقص فعاليّات لغاتنا. وهذا الاستنتاج هو ما حدانا لوضع هذه الدّراسة.