الدكتور سايد حرقص

هل يراهن "حزب الله" وإيران على تورّط أميركي في فنزويلا؟

3 دقائق للقراءة

​في لعبة الأمم المعقدة، لم تعد الجبهات تُقاس بالحدود الجغرافية التقليدية، بل بمدى القدرة على نقل الصراع إلى مساحات جديدة تُربك العدو وتستنزف قداراته. ومن هذا المنطلق، تبدو فنزويلا اليوم في نظر محور الممانعة أكثر من مجرد دولة حليفة لطهران في أميركا اللاتينية؛ إنها واجهة محتملة لتوسيع جغرافيا الاشتباك غير المباشر مع واشنطن. وبينما يتلقى "حزب الله" وإيران ضربات سياسية واقتصادية متزايدة في الشرق الأوسط، يطلّ المشهد الفنزويلي كفرصة استراتيجية لتخفيف الضغط وإعادة توزيع ساحات المواجهة.

​تعيش منطقة الكاريبي منذ أسابيع على وقع توتر عسكري متصاعد بين الولايات المتحدة وفنزويلا. وقد اتهمت كاراكاس الطائرات الحربية الأميركية بانتهاك أجوائها، واصفة ذلك بـ «الاستفزاز العسكري المباشر». وفي المقابل، تؤكد واشنطن أن عملياتها البحرية والجوية تأتي في إطار "مكافحة تجارة المخدرات"، إلا أن حجم الحشود الأميركية يوحي بالتحضير لسيناريو أكثر تعقيدًا.

​تُظهر صور الأقمار الصناعية ومصادر عسكرية متقاطعة أن الجيش الأميركي عزّز وجوده في البحر الكاريبي عبر وحدات من مشاة البحرية، ومقاتلات من طراز F-35B، وسفن هجومية برمائية ضخمة، تمركزت بين بورتو ريكو وشرق الكاريبي. كما كشفت تقارير صحفية عن إعادة تأهيل قواعد جوية قديمة ونقل معدات لوجستية إلى المنطقة، في ما يشبه التحضير لعمليات إنزال محتملة على الأراضي الفنزويلية.

​في المقابل، أعلنت فنزويلا حالة الطوارئ الوطنية، ورفعت جاهزية قواتها المسلحة، مع تفويضات استثنائية للرئيس نيكولاس مادورو لحماية "السيادة الوطنية". كما دعت إلى تعبئة شعبية للدفاع عن البلاد في مواجهة «العدوان الخارجي»، في استعراض لتوحيد الجبهة الداخلية لمواجهة أي تدخل محتمل.

​وراء هذا التصعيد الميداني، يطلّ البعد الإيراني بوضوح. ففنزويلا تُعدّ منذ عقدين الحليف الأبرز لطهران في أميركا اللاتينية، وقد تحوّل التعاون بين البلدين من المجال الاقتصادي إلى المجال العسكري والتقني.

- ​تكنولوجيا الطائرات المسيّرة: تُظهر وثائق رسمية أن طهران ساعدت كاراكاس في تطوير وتصنيع طائرات مسيّرة مسلّحة محليًا.

- ​امتداد استراتيجي: يشكل الوجود العسكري والتقني الإيراني في فنزويلا امتدادًا استراتيجيًا لنفوذها خارج الشرق الأوسط.

​بالنسبة لـ "حزب الله"، فإن التطورات في فنزويلا قد تمثل ورقة جديدة في لعبة التوازن الإقليمي. فقد أشارت تقارير استخباراتية إلى شبكات تمويل وتهريب مرتبطة بالحزب في مثلث الحدود بين البرازيل وباراغواي والأرجنتين، فضلاً عن علاقات وثيقة مع النظام الفنزويلي منذ عهد الرئيس هوغو تشافيز.

​ويرى مراقبون أن الحزب، الذي يتنفس سياسيًا وأمنيًا من الرئة الإيرانية، قد يرى في أي مواجهة محتملة بين واشنطن وكاراكاس فرصة استراتيجية مزدوجة: ​استنزاف الولايات المتحدة و​تشتيت الانتباه عن لبنان والعراق واليمن وإيران.

​ إن أي انخراط أميركي في نزاع جديد سيخفف من احتمالات حملة واسعة ضد طهران في الشرق الأوسط، كما أن الاندفاعة الإسرائيلية في المنطقة قد تخفّ. ​لكن هذا الرهان ليس مضمونًا؛ فبينما تحرص طهران وأذرعها على نقل الصراع إلى "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة، فإن الرأي العام الأميركي لا يظهر حتى الآن ميلاً إلى خوض حرب على فنزويلا. إن تورط أميركي في كاراكاس لن يكون مجرد أزمة لاتينية، بل امتدادًا غير مباشر لصراع الشرق الأوسط، حيث يختبر محور طهران قدرته على الرد من خارج حدوده التقليدية.

​السؤال يبقى: هل ستنجح استراتيجية نقل الصراع إلى فنزويلا في تحقيق التوازن المطلوب، أم أنها ستزيد من عزلة إيران وحلفائها؟