الدكتور سايد حرقص

لبنان بحاجة فقط إلى تطوير هدنة 1949

6 دقائق للقراءة

لبنان الجريح، المرهق من الحروب والوصايات والانقسامات، يقف اليوم أمام منعطف خطير في تاريخه. فالبلاد التي لم تتعافَ بعد من أزماتها الاقتصادية والسياسية والمالية والاجتماعية، تواجه ضغوطًا خارجية تدفعها نحو خيارات تفاوضية لا تملك مقومات نجاحها، خاصة وأن القرار السيادي العسكري بيد حزب الله الرافض لتسليم سلاحه، بالإضافة إلى أن الوضع الاقتصادي يشكّل "اليد الموجوعة" التي يمكن الضغط عليها لإجبار البلد على التنازلات.

وفي ظل ميزان القوى المختلّ، يبدو أن الخيار الواقعي أمام لبنان ليس الشروع في مفاوضات مباشرة مع العدو للوصول إلى اتفاق جديد غامض الملامح، بل تطوير هدنة 1949 بما يحفظ حدوده ويضمن وقف الاعتداءات، دون المسّ بسيادته أو تحميله التزامات تفوق طاقته.

الهدنة التي وُقّعت عام 1949 بين لبنان وإسرائيل، بإشراف الأمم المتحدة، كانت وقفًا لإطلاق النار بعد الحرب العربية - الإسرائيلية الأولى سنة 1948. لم تكن اتفاق سلام، لكنها شكّلت إطارًا قانونيًا شرعيًا لتنظيم الوضع الحدودي.

غير أن لبنان، وبفعل الضغوطات التي مارسها النظام الناصري المصري في الستينيات وموجة الكفاح المسلح التي اجتاحت المجتمعات العربية، اضطر إلى ترك حدوده الجنوبية مفتوحة أمام الفوضى. ومع الوقت، تحوّلت تلك الهدنة إلى مجرّد وثيقة منسية في أرشيف الأمم المتحدة، بينما الواقع الميداني صار محكومًا بالتوازنات العسكرية بين ميليشيات متعددة الجنسيات غير منضبطة والعدو. وهذا يعطي الدليل أن تخلّي السلطة الرسمية عن مسؤولياتها لأي مجموعة مسلحة وتحت أي مسمى هو حجر الأساس للفوضى والخراب.

لكن من رحم هذا الألم المتكرر، كما يقول الفيلسوف هيغل، يمكن أن يولد الوعي. فالأمم لا تتقدّم إلا عندما تواجه تناقضاتها بصدق، وتحول معاناتها إلى وعي سياسي جديد. ولبنان، إذا أدرك معنى أزماته، قد يتمكن من تحويل ألمه إلى وعي سيادي يفتح طريق الإصلاح الحقيقي. بالرغم من أن النقاشات الدائرة اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي بين القطعان المتناحرة لا تبشر بالخير ولا تظهر أي بوادر وعي وطني، لكن هذا الأمر قد يتبدل أذا بادرت السلطة اللبنانية بشكل جدي الى اتخاذ قرارات سيادية تدفع باتجاهات تساهم في اعطاء أمل بغد أفضل.

بعد الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982، حاول لبنان التفاوض سنة 1983 للتوصل إلى اتفاق لإخراج المحتل، فكان اتفاق 17 أيار الذي أرادت منه إسرائيل طرد منظمة التحرير وتوسيع مروحة "كامب دايفيد"، بينما أراد منه لبنان إخراج الجيش الإسرائيلي بالوسائل المتاحة. لكن الاتفاق وُقّع في لحظة انقسام داخلي حاد وضغط سوري قوي، وتردد في قرار السلطة مما ادى الى فشله سريعًا وسقوطه في الشارع قبل أن يُنفّذ.

أبرز دروس تلك التجربة أن أي تفاوض لا يمكن أن ينجح ما لم ينطلق من موقف وطني جامع، ومن دولة تمتلك أدوات القرار السيادي، لا من سلطة منقسمة ضعيفة ومترددة.

أما اتفاق الترسيم البحري الذي وُقّع في عهد الرئيس ميشال عون عام 2022، فقد رُوّج له كإنجاز تاريخي، بينما هو في الواقع نوع من التسويات الدولية استفادت منها إيران وإسرائيل، في حين تحوّل لبنان إلى "صبي مع خالته" كما يقول المثل اللبناني، أكثر من كونه اتفاقًا سياديًا، علمًا أنه من ناحية مصالح لبنان الاقتصادية كان أسوأ بكثير من اتفاق 17 أيار.

لبنان اليوم دولة هشّة ومقسّمة سياسيًا، منهكة اقتصاديًا، ومكبّلة بسلاح خارج الشرعية وموضوعة على اللوائح السوداء الأوروبية والدولية. في مثل هذا الوضع، أي مفاوضات مع كيان متغطرس مدعوم دوليًا ستكون انتحارًا سياسيًا. فالدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم، ولا تستطيع فرض سلطتها على كامل أراضيها، ولا تستطيع حتى تسليح جيشها أو حماية اقتصادها الوطني، الدولة التي يتسلى بخفة مسؤولوها بمصير اقتصادها ومؤسساتها الناجحة كما حدث بالأمس مع شركة مياه تنورين، ليست مؤهلة لتوقيع اتفاقات مصيرية تُلزم أجيالها المقبلة.

الواقعية السياسية تقتضي الاعتراف بضعف الدولة الحالي، لا لتبرير الاستسلام، بل لتحديد الممكن: تثبيت الوضع القائم عبر تطوير هدنة 1949، وإعادة تفعيل لجان المراقبة الدولية، وضمان وقف الاعتداءات المتكررة على الأراضي اللبنانية، تمهيدًا لمرحلة أكثر استقرارًا تسمح بتفاوض وطني متوازن لاحقًا.

وهنا، يتجلّى ما وصفه هيغل بـ"حركة الوعي عبر الألم": أن تدرك الدولة قصورها فتسعى إلى تصحيحه بدل الإنكار. فلبنان لا يحتاج إلى طمس جراحه، بل إلى وعيٍ بها وتحويلها إلى دافع لبناء دولة قادرة على اتخاذ القرار من داخلها لا من الخارج.

المطلوب اليوم ليس اتفاقًا جديدًا، بل تفعيل الموجود. فهدنة 1949 لا تزال سارية قانونيًا، ويمكن تطويرها بوسائل دبلوماسية وعبر الأمم المتحدة، لتشمل التزامات محدثة واضحة. لكي يكون تطوير الهدنة خيارًا ناجحًا وفعّالًا، لا بدّ من تحقيق مجموعة شروط أساسية:

1. إجماع وطني واضح حول مفهوم السيادة وأولويات الأمن القومي، بعيدًا عن الانقسام الحزبي والطائفي والارتهان للمصالح الإقليمية، يبدأ بإعلان حزب الله حل جناحه العسكري وتسليم سلاحه للدولة اللبنانية، والتزامه تطبيق القوانين اللبنانية المرعية الإجراء.

2. تعزيز دور الجيش اللبناني بوصفه الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة تنفيذ القرارات الدفاعية وضبط الحدود.

3. تحرك دبلوماسي فاعل بقيادة وزارة الخارجية لتفعيل دور الأمم المتحدة واستصدار قرار جديد يؤكد التزامات الطرفين بالهدنة المحدثة.

4. ربط الأمن بالاقتصاد، بحيث يُستخدم الاستقرار الحدودي كرافعة لجذب الاستثمارات وإطلاق مشاريع الإعمار والطاقة.

5. فصل المسار اللبناني عن الصراعات الإقليمية، كي لا يتحول الجنوب مجددًا إلى ساحة تصفية حسابات إيرانية أو إسرائيلية.

تطوير هدنة 1949 هو الخيار الأكثر واقعية وسيادية في آن: فهو يمنح لبنان غطاءً قانونيًا، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، ويمنع تحويله إلى ساحة دائمة لحروب الآخرين.

إنّ حماية لبنان لا تكون بالاتفاقات الغامضة ولا بالشعارات، ولا بإدخاله في محاور ومراهنات أثبتت هشاشتها وفشلها، بل بتثبيت حدوده ووقف نزيفه… فالأمم، كما يقول هيغل، لا تنهض إلا حين تعي جراحها، وتحول الألم إلى وعي، والوعي إلى فعل.

وعندها فقط، يستعيد لبنان دولته القادرة على التفاوض من موقع القوة، لا من موقع الحاجة.