ثمة بلدان تموت فيها الحروب قبل أن تولد الفكرة، وثمة أخرى، كلبنان، لا تموت فيها الفكرة حتى لو انهار كل شيء حولها. بلدنا الصغير الذي اعتاد الوقوف على الحافة، لا يزال يجد في الثقافة ما يشبه الغريزة القديمة للبقاء، تلك التي تجعل الكلمة مقاومة، والكتاب شريانًا من ضوء.
لكن، أيُّ شكلٍ باتت تأخذه الثقافة اليوم؟ هل لا تزال قادرة على أن تكون ضميرًا عامًا كما كانت في زمن الصحف والمجلات والندوات والمنابر الكبرى ولقاءات أعرق المثقفين في المقاهي، أم أنها أصبحت مجرد انعكاسٍ شاحب لزمن يركض بأقدامٍ رقمية؟
بين أصوات وآراء نائبة رئيس "النادي الثقافي العربي" ورئيسة "لجنة معرض الكتاب" سلوى السنيورة بعاصيري والمؤرّخ الدكتور عصام خليفة والصحافي والشاعر والرسّام جوزيف أبي ضاهر والإعلاميّة والشاعرة ماجدة داغر، تتشكل لوحة فكرية تُجسّد التناقض اللبناني الأبديّ بين الرغبة في الحياة والإحساس الدائم بالنهاية. أربع رؤى، متقاطعة ومتباينة، تروي حال الثقافة في لبنان اليوم: متعبة، لكنها لم تستسلم بعد!
تبدأ سلوى السنيورة بعاصيري حديثها من تعريف واسع للثقافة، لا باعتبارها ترفًا فكريًا أو نشاطًا نخبويًا، بل باعتبارها "نسق الحياة بتجليّاتها الفكرية والمعرفية والأدبية والفنية". وترى أنّ الأزمات، على قسوتها، لا تُلغي الحضور الثقافي بل تفعّله، لأن الثقافة في جوهرها استجابة للمعاناة، وإن بدا التعبير عنها خجولًا في لحظات الشدّة.
تقول نائبة رئيس "النادي الثقافي العربي" ورئيسة "لجنة معرض الكتاب" إن اللبناني رغم همومه الأمنية والمعيشية، لم يتخلّ عن مكانة الثقافة في حياته اليومية. فـ "الحياة عادت لتنبض من جديد"، كما تشير، من خلال المعارض والندوات والمهرجانات، وعلى رأسها "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب"، الذي مثل بارقة أمل بعد سنوات من الخفوت.
الإعلام مرآة الثقافة الأوسع
لكن السنيورة، الواقعية بطبعها، تُسجّل ملاحظة دقيقة حين تقول إن التغطية الإعلامية لتلك الجهود الثقافية لا تزال خجولة، وهو ما يُفقد الفعل الثقافي بعضًا من تأثيره، خصوصًا في أوساط الشباب. فالثقافة، بالنسبة لها، لا يمكن أن تزدهر في الظل، والإعلام هو مرآتها الأوسع.
إنها هنا لا تكتفي بوصف الواقع، بل تضع يدها على جرحٍ مزدوج: تراجع المنصات التقليدية التي كانت تصنع الرأي الثقافي، وغياب المنابر الجديدة القادرة على الوصول بوعي ومسؤولية.
من المعنى إلى المظهر
أما الدكتور عصام خليفة، المؤرّخ الذي يحمل همّ التاريخ كما يحمل الطبيب همّ تشخيص الحالة، فيقدّم قراءة أكثر تشاؤمًا. يربط تراجع الاهتمام بالقضايا الثقافية بوطأة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي يعيشها اللبنانيون، معتبرًا أن "اللبنانيّين في حال قلق مفتوح"، وأن هذا القلق يُبعدهم عن الفكر والإبداع، ويقودهم نحو الاهتمام بالمظاهر والألقاب على حساب الجوهر الثقافي.
ويستعيد خليفة التعريف الأنثروبولوجي للثقافة عند إدوارد تيلور، باعتبارها "الكلّ المركّب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعادات". انطلاقًا من هذا المفهوم الشامل، يرى أنّ الثقافة اللبنانية والعربية تمرّ بأزمة على المستويات كافة، من انهيار في منظومة القيم، وتراجع في الفنون، إلى ضعف في احترام القانون، وتفكّك في البنية الأخلاقية للمجتمع. إنّها أزمة شاملة لا تخصّ الكتاب والمسرح فحسب، بل أزمة في معنى العيش المشترك ذاته.
تراجع العمق
وحين يتحدث عن النقاش الثقافي، يلاحظ خليفة أنه تراجع من حيث العمق، وأن المشهد اليوم يطغى عليه الإعلام الموجّه والسياسة المتخبّطة، بينما يغيب المثقف الحرّ الذي يقف في وجه القهر والظلم. لكنه، رغم سوداويته، لا يفقد الأمل في "قيام مثقفين أحرار يؤمنون بحقوق الإنسان ويصارعون لانتصار السياسة التي تعمل لهذه الحقوق".
في صوت خليفة صدى من الإيمان القديم بأن الثقافة ليست ترفًا بل مشروعًا وطنيًا، وأنّ النهضة الثقافية هي وجه آخر للسيادة والاستقلال.
الزمن البلاستيكي
حين يتحدث جوزيف أبي ضاهر، تشعر أنّ الحنين لديه ليس مجرّد عاطفة بل هو موقف يقول بوضوح: "لم تعد الثقافة كما كانت في الماضي. آنذاك كانت حاضرة بقوّة واتساع، أما اليوم فقد أصبحت سريعة ومقتضبة ودخلت في دوامة البهرجة". يصف الشاعر والرسام والصحافي المخضرم، الثقافة الحديثة بأنها "بلاستيكية لامعة من الخارج، هشة من الداخل".
في حديثه المتشعّب، يبدو أبي ضاهر كمن يكتب قصيدة رثاء للعصر الراهن، "العصر متوتر، لم يعد فيه هدوء للتفكير. هناك توتر في الأدب، في الفكر، في السياسة، وفي التعامل بين الناس". يرى أن التكنولوجيا التي وُلدت لتقرّب الإنسان من المعرفة، أبعدته عن ذاته، وأنها جعلت "المعرفة سطحية، بلا عمق إنساني".
أما عن المنصات الحديثة مثل "البودكاست" ووسائل التواصل الاجتماعي، فيجيب بتأمُّل: "لا يمكننا تحديد ذلك الآن. نحن نتحدث اليوم عن الماضي لأنه أصبح واضحًا أمامنا، أما الحاضر فمبهم". في كلمات أبي ضاهر تلك، وعيٌ بأن الثقافة تحتاج إلى بطءٍ لتزهر، وإلى تأملٍ لتتجذر، بينما نحن نعيش زمن السرعة والاستهلاك.
وفي خلاصة رؤيته أن "العصر أصبح بلاستيكيًا بكلّ ما للكلمة من معنى". لا يتحدث هنا عن الأشياء فحسب، بل عن العلاقات الإنسانية، عن التعليم والحبّ، وعن فقدان العمق الإنساني في كل شيء.
سقوط القضايا الكبرى
من جهتها، تقدّم ماجدة داغر صوتًا نقديًا حادًا يجمع وعي المثقف والإعلامي. ترى الإعلاميّة والشاعرة الحاضرة في المشهد الثقافي المعاصر، أنّ القضايا الثقافية "لم تعد موجودة كما كانت"، لأننا نشهد سقوط القضايا الكبرى التي شكّلت أساس الأزمنة الماضية.
في رأيها، لم نخسر فقط الثقافة، بل خسرنا المنظومة القِيَميّة التي كانت تحميها. ومع الثورة الرقميّة تغيّر وجه العالم والإعلام معًا، فـ "الإعلام ابن بيئته، وقد دخل اليوم في متاهة الحداثة الناقصة". المشكلة ، كما تقول، ليست في الحداثة نفسها، بل في سوء فهمنا لها. فبينما تجاوز الغرب الحداثة إلى "ما بعد الحداثة"، لا نزال نحن عالقين في مرحلة تقليدٍ مضطرب بين الأصالة والتجديد.
تحذر داغر من خطورة أن "نسمح للحداثة أن تمحو أصالتنا"، وتؤكد أن وسائل التواصل لا يمكن أن تكون بديلًا عن المنابر الفكرية، لأنها تفتقر إلى العمق النقدي الذي يصنع الوعي. وتتابع بأسفٍ واضح: "من يقود النقاش الثقافي اليوم هو الجمهور العريض لا النخب الفكرية" التي انسحبت إلى عزلتها، فتصدّر المشهد أشخاصٌ تافهون يصنعون الرأي العام بمنطق الإعلان التجاري لا المعرفي. وتختم باقتباس للفيلسوف الكندي ألان دونو: "نحن في زمن التفاهة".
تلخّص كلمات ماجدة داغر، الانتقال من ثقافة المعنى إلى ثقافة الظهور.
مشهد يبحث عن توازنه
تجمع هذه الأصوات الأربعة، لوحة مركبة للثقافة اللبنانية اليوم. فمن جهة، هناك إصرار سلوى السنيورة بعاصيري على أن الثقافة ما تزال حاضرة وإنْ خجولة، لأنها جزء من اللاوعي الجماعي الذي لا يموت. ومن جهة أخرى، نلحظ تشاؤم عصام خليفة الذي يرى في هذا الحضور مجرّد بقايا لعصرٍ كان أكثر نضجًا وفاعلية. ثم يطلّ جوزيف أبي ضاهر من زاوية الجمال الإنساني المفقود، ليذكّرنا بأننا نعيش عصرًا بلاستيكيًا فقدَ عمقه. وأخيرًا، تصفعنا ماجدة داغر بواقع "زمن التفاهة"، حيث صارت الثقافة رهينة "الترند"، والمثقف متفرّجًا على المشهد الذي كان يصنعه يومًا.
لكن رغم هذا التشظي، يبدو أنّ الجميع متفقٌ على أمر واحد: الثقافة لا تموت، لكنها تتبدّل. قد تتراجع، تخفت، تتنكر في أشكال جديدة، لكنها تبقى هناك... كامنة في الذاكرة اللبنانية التي تعرف كيف تحوّل الرماد إلى بذور.
صمت المدن وذاكرة الكلمات
الحديث إذًا عن الثقافة في لبنان يشبه الحديث عن مدينةٍ نجت من زلزال. الجدران مائلة، لكن الموسيقى تستمر تتردّد في الهواء. من يسمع السنيورة يشعر أنّ الثقافة لا تزال تتنفس، من يصغي إلى خليفة يعرف أنّ الجرح عميق، من يقرأ أبي ضاهر يشتاق إلى زمنٍ كانت فيه الكلمة بيتًا للروح، ومن يتأمل داغر يفهم أن هذا البيت اليوم صار بلا سقف. ومع ذلك، تبقى الحقيقة التي توحّدهم جميعًا، وهي أنّ الثقافة ليست نقيض الأزمة، بل رديفها الإنساني. فحين ينهار النظام، تبقى القصيدة. وحين يصمت السياسيون، تكتب الذاكرة نفسها بنفسها.
لبنان اليوم لا يعيش "نهاية الثقافة"، بل يحيا تحوّلها المؤلم من الورق إلى الضوء، من النخبة إلى الحشد، من العمق إلى السطح، ومن السكون إلى السرعة. لكن في هذا التحوّل أيضًا، يكمن الأمل، لأنّ ما يتبدّل لا يزول، بل يُعيد اكتشاف نفسه كلّ مرّة. والثقافة اللبنانية وإن فقدت ملامحها القديمة، تتلمس طريقها لتبقى تملك تلك القدرة العجيبة على أن تحيا رغم كلّ ما يدعو إلى الفناء مِن حولنا.