جوزيف حبيب

ترامب يُباغت بوتين: ولّى زمن القياصرة!

5 دقائق للقراءة
يضع ترامب نصب عينيه إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا (رويترز)

لا يتوانى الرئيس ترامب عن استخدام كلّ وسائل القوّة الأميركية اللازمة لتحقيق أهداف بلاده ومصالحها حول العالم. المواجهة مع إدارة ترامب قد تستعر بسرعة البرق، كما قد تستكين بشكل مفاجئ. لا يمكن التنبؤ بخطوات ترامب وردود فعله، وهذا أمر يصبّ في مصلحته على "رقعة الشطرنج" الدولية في أحيان كثيرة، إلّا أنه يبقي حلفاء بلاده في ترقب شبه دائم. بيد أن ترامب يبقى "واضحًا في غموضه"، ومن يعرف طريقة تفكيره ومنطلقاته وأجندته، يستطيع تكوين صورة عما قد يتخذه من قرارات، ستتفاوت حتمًا حسب القضية المطروحة والمعطيات المتوافرة والظروف المحيطة، وطبعًا وفق مصلحة "العم سام". يُعطي ترامب أهمية كبيرة للعلاقات الشخصية في تعاطيه مع الشؤون الدولية، إنما تضارب المصالح العميق بين أميركا وخصومها الدوليين، يفرض على الرئيس الأميركي، عندما يصطدم طرحه بحائط مسدود، تعديل مساره واللجوء إلى "العصا" على أشكالها المتنوّعة لتعويض إخفاق "الجزرة" في مهامها.

هذا ما حصل مع ترامب خلال ولايتيه في تعامله مع زعماء جمعته بهم مودّة شخصية، لكنها لم تحل دون توتر العلاقات الثنائية حتى بلوغها عتبة بالغة السخونة. بدأت العلاقة بين واشنطن وموسكو تحديدًا تتخذ منحى تصاعديًا مع رفض الرئيس بوتين القبول بوقف النار في أوكرانيا على أساس خط التماس الحالي والشروع بمفاوضات لإنهاء الحرب. إصرار الروس على التمسّك بمطالبهم الجغرافية والأمنية والسياسية... واستكمالهم نهج المراوغة وشراء الوقت، لم يعد يجدي نفعًا مع ترامب الذي ضاق ذرعًا من الأسلوب الروسي، ما جعله يلغي قمته مع بوتين ويفرض عقوبات مباغتة هي الأولى خلال ولايته الثانية على موسكو، استهدفت شركتي النفط الروسيتين العملاقتين "روسنفت" و"لوك أويل"، اللتين تموّلان آلة الكرملين الحربية، بالتوازي مع إقرار دول الاتحاد الأوروبي رسميًا الحزمة الـ 19 من العقوبات ضدّ روسيا، التي تشمل حظرًا على واردات الغاز الطبيعي المسال بحلول نهاية 2026، وإجراءات تطول ناقلات "أسطول الشبح" الروسي.

يعمل ترامب على جبهتي الصين والهند، وهما أكبر مستوردين للنفط الروسي، للضغط على موسكو. يبدو أن نيودلهي تتجه لخفض حاد في مشترياتها من النفط الروسي، بينما يراهن ترامب على لقائه المنتظر مع الرئيس شي على هامش قمة "أبيك" في كوريا الجنوبية الخميس المقبل، لإقناعه بالتأثير على بوتين لتسوية حرب أوكرانيا. إلّا أن نجاح ترامب بنيل مراده مع بكين يبقى صعبًا لاعتبارات جيوسياسية متشعّبة، خصوصًا مع وجود ملفات حساسة عالقة بين أكبر اقتصادين في العالم. معضلة ترامب تكمن بأن "التنين الأصفر" يخوض معركة إعادة صياغة نظام دولي ينسجم مع نظرته وتطلّعاته، ولن يقدّم أي تنازل أو خدمة لواشنطن ما لم يحصل على "غنيمة دسمة" ذات بُعد استراتيجي في المقابل، كأن تعلن مثلًا أميركا رسميًا معارضتها لاستقلال تايوان وتقيّد مبيعات الأسلحة إلى الجزيرة، المهدّدة بغزو صيني يهدف إلى ضمّها إلى البرّ الرئيسي.

يواجه بوتين تحدّ حقيقي إذا ما سجّلت مبيعات النفط والغاز الروسيّيْن انخفاضًا جسيمًا مع الوقت، علمًا أن مصافي النفط والبنية التحتية للطاقة في العمق الروسي، أضحت في مرمى الضربات الأوكرانية الدقيقة، ما يزيد من المشكلات على هذا القطاع الحيوي لاقتصاد الحرب الروسي المُجهَد. صحيح أن للعقوبات الغربية الموجعة تبعات قاسية على موسكو، بيد أنها لن تكون كافية وحدها لجلب بوتين إلى طاولة المفاوضات. ما زال الجيش الروسي يحقق تقدّمًا ميدانيًا في أوكرانيا، ولو أنه بطيء ومكلف. هذه المكاسب العسكرية المتراكمة تساهم في تصلّب الموقف الروسي. لهذا، من الضروري أن يواكب العقوبات جهد غربي جماعي لتزويد كييف بأسلحة هجومية متطوّرة كفيلة بإحداث تغيير ملموس في أرض المعركة، كصواريخ "توماهوك". وتاليًا، دفع الكرملين في "الاتجاه الدبلوماسي" بغية إبرام صفقة "رابح - رابح"، قد لا ترضي الطرفين، لكنها تنطلق من موازين القوى القائمة لتنهي سفك الدماء سدى.

يريد ترامب بعث رسالة واضحة إلى بوتين مفادها أن زمن القياصرة ولّى، وروسيا المنهكة اليوم لم تعد بمكانة تلك الإمبراطورية العظيمة أو بجبروت الاتحاد السوفياتي. ولولا القدرات النووية الهائلة والتكنولوجيا الصاروخية الحديثة، لكانت روسيا انتهت كلاعب من "الوزن الثقيل" على المسرح الدولي. يعمد الرئيس الجمهوري إلى خلق بيئة معقدة ومرهقة تجبر موسكو على تفضيل الحل السلمي بدل الثبات على النهج العسكري غير المجدي. هل يفلح ترامب في ذلك؟ النجاح هنا ليس مضمونًا بطبيعة الحال، إنما ترك كييف وحيدة في حلبة الصراع أو حضها على قبول مطالب تعني عمليًا رفعها الراية البيضاء، سيشكّل أكبر "خطأ استراتيجي" فادح بحق أميركا ودول حلف "الناتو"، وهذا ما لن تقبل به عواصم القرار على ضفتي الأطلسي، لأن مصالحها تبقى فوق كلّ اعتبار.

على أوروبا تحمّل العبء الأساسي عن حماية "القارة المتجدّدة" بوتيرة أسرع، لكن على أميركا الحرص على تنفيذ انتقال سلس وتدريجي لأثقال المسؤوليات على كاهل الأوروبّيين غير المؤهلين حتى اللحظة لإعلان "استقلالهم الاستراتيجي"، مع تشبّثها وتأكيدها على مبدأ الدفاع الجماعي، الذي فرض السلام لفترة طويلة وأبعد مخالب "الدب الروسي" عن دول الجناح الشرقي للحلف الأطلسي. لا يمكن إغفال مصالح موسكو وهواجسها المشروعة في أي ترتيب أمني محتمل لحلّ شامل وعادل، فيما يتحتم على القيادة الروسية إعادة حساباتها مع جيرانها الغربيين والسعي نحو حلول منطقية ومنصفة تحاكي مخاوف الجميع وتراعي مصالحهم، لأن التحدّيات المستقبلية الآتية من الشرق قد تغرق روسيا، المنحدرة ديموغرافيًا، في مستنقع جيوسياسي مرعب.